كشفت التطورات الأخيرة عن تصاعد جديد في المواجهة بين روسيا والدول الغربية، مع انتقال الصراع من ساحات الحرب في أوكرانيا إلى أراضي دول أوروبية، بالتزامن مع تهديدات روسية مبطنة تجاه بريطانيا وحلفاء كييف. وبينما تتهم ألمانيا ومؤسسات أوروبية موسكو بالوقوف وراء عمليات تخريب وهجمات بطائرات مسيّرة، يؤكد الكرملين رفضه لهذه الاتهامات، في وقت تبدو فيه المواجهة بين الطرفين أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
اتهامات أوروبية لروسيا بالتصعيد
وبحسب تقرير نشره موقع "بي بي سي"، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو" مارك روته من تزايد ما وصفاه بتهور روسيا، وتعهد الجانبان بالرد على ما اعتبراه "الوضع الطبيعي الجديد". وجاءت التحذيرات عقب إعلان ألمانيا أن تحقيقات الشرطة ونتائج الاستخبارات خلصت إلى مسؤولية روسيا عن هجوم فاشل بطائرة مسيرة على مطار لايبزيغ الشهر الماضي، استهدف طائرة شحن أوكرانية، بينما رفضت موسكو الاتهامات ونفت ضلوعها في الحادث.
وقالت فون دير لاين إن هجوم لايبزيغ يمثل "تصعيدًا جديدًا على أراضي الاتحاد الأوروبي يُعزى مباشرة إلى روسيا"، مؤكدة ضرورة الاستعداد للرد على ما وصفته بتهور موسكو بصورة أسرع وأفضل. وأعلنت برلين إغلاق القنصلية الروسية في بون والمؤسسة الثقافية "البيت الروسي"، فيما استدعت موسكو القائم بالأعمال الألماني، مؤكدة أن الاتهامات الموجهة إليها بلا أساس، ومتوعّدة بالرد بالمثل.
أوروبا تتحدث عن حرب هجينة
قالت فون دير لاين إن حادث لايبزيغ يأتي ضمن نمط أوسع من الحوادث الخطيرة، يشمل الطائرات المسيرة والتدخل في البنية التحتية الحيوية. كما حذر روته من تزايد مخاطر الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تعبر إلى دول الجناح الشرقي للناتو، إلى جانب حرائق وهجمات تستهدف منشآت مرتبطة بالدفاع عن أوكرانيا. وشهدت ألمانيا خلال 24 ساعة فقط عدة أعمال تخريب مشتبه بها، بينها هجوم على محطات فرعية للكهرباء، أدى إلى انقطاع خطوط كهرباء وتوقف خمس وحدات لتوليد الطاقة في محطتين تعملان بالفحم. وقالت السلطات إنها تحقق في احتمال وقوف دولة أجنبية وراء الهجمات، إلى جانب فرضية التطرف اليساري.
وفي بولندا، قال رئيس الوزراء دونالد توسك إن حريقًا اندلع في مصنع لإنتاج طائرات مسيّرة قتالية كان عملًا تخريبيًا متعمدًا، بينما لم تُستبعد فرضية الحرق العمد في حريق آخر بمصنع في مدينة لوبلين. وتضغط دول أوروبية لتشديد العقوبات على روسيا، فيما تسعى السويد وهولندا وبولندا وإسبانيا إلى استخدام أكثر من 193 مليار يورو من الأصول الروسية المجمدة لمساعدة أوكرانيا، رغم استمرار تحفظ بلجيكا، حيث تُحتفظ الأموال.
بوتين يلوح بالرد
بالتزامن مع ذلك، أثار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جدلًا بعد رده على سؤال بشأن إمكانية استهداف منشآت عسكرية في المملكة المتحدة ردًا على إمدادات الأسلحة البريطانية لأوكرانيا، قائلًا باختصار: "هذا سر.. سر عسكري". واعتُبرت العبارة رسالة ضغط نفسي تهدف إلى إبقاء بريطانيا في حالة ترقب بشأن نوايا موسكو، دون أن تعني بالضرورة أن روسيا تستعد لضرب أهداف بريطانية. ولم تقتصر رسائل بوتين على بريطانيا، إذ وصف الدول الغربية بأنها "أسماك قرش"، محذرًا من أن روسيا مستعدة لتوجيه "لكمة في الأسنان" إذا حاول الغرب جرها إلى أسفل السلسلة الغذائية.
وفي مؤتمر صحفي عقده في بيشكيك بقيرغيزستان، بدا بوتين واثقًا من قدرة بلاده على مواصلة الحرب، قائلًا إنه لا شك لديه في أن "العدو سينهار"، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها روسيا والضغوط الاقتصادية واستمرار الحرب لأكثر من أربع سنوات ونصف. وبينما أكد بوتين انفتاحه على المفاوضات، أوضح أنه يفضل العمل مع مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيدًا بجاريد كوشنر وستيف ويتكوف، ومؤكدًا أن أي سلام في أوكرانيا يجب أن يتم وفق شروط موسكو.
وفي المقابل، تواصل أوروبا والناتو تشديد الضغوط على روسيا، مع بحث إجراءات جديدة لإضعاف قدرتها على تمويل الحرب، إلى جانب دعم أوكرانيا بأنظمة الدفاع الجوي والأسلحة. ويبدو أن الصراع لم يعد محصورًا في جبهات أوكرانيا، بل يتجه إلى مواجهة أوسع تشمل العقوبات والتهديدات والهجمات الهجينة والبنية التحتية الأوروبية.













