تعمل الولايات المتحدة والصين على بناء شبكات دولية متنافسة حول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد، وقواعد الحوكمة، في ظل تحول التقنية إلى ساحة رئيسية للتنافس الجيوسياسي بين البلدين.
وتُعد كازاخستان الدولة الوحيدة التي تنتمي إلى كلا الكتلتين، بما يعكس أن الانقسام الناشئ في مجال الذكاء الاصطناعي لا يتخذ شكلًا ثنائيًا صارمًا. وتضم منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي (WAICO) 29 عضوًا مؤسسًا، من بينهم 12 دولة أفريقية، بينما تتركز مبادرة Pax Silica بين الاقتصادات المتقدمة في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويشمل التنافس الأمريكي الصيني مجالات عدة، من الرقائق الإلكترونية المتقدمة ومراكز البيانات، وصولًا إلى المعايير التقنية وحوكمة الذكاء الاصطناعي. وبحسب تقرير نشره موقع "Visual Capitalist"، يُظهر رسم بياني معسكرين ناشئين في مجال الذكاء الاصطناعي، استنادًا إلى بيانات من وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة أنباء شينخوا، هما مبادرة "Pax Silica" بقيادة الولايات المتحدة، ومنظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي (WAICO) التي تقودها الصين.
رؤيتان متنافستان لعصر الذكاء الاصطناعي
تُعد Pax Silica مبادرة تقودها الولايات المتحدة، وتركز على تأمين الأسس المادية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، بما يشمل أشباه الموصلات، والبنية التحتية للحوسبة، والتصنيع المتقدم، والمعادن الحيوية. وتضم المبادرة عددًا من الاقتصادات التي تحتل مواقع مهمة في سلسلة التوريد العالمية للرقائق الإلكترونية.
في المقابل، تُعد WAICO منظمة حكومية دولية مقرها شنغهاي. وفي يوليو 2026، وقّعت 29 دولة اتفاقية تأسيس المنظمة، بهدف معلن يتمثل في تعزيز التعاون الدولي والحوكمة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي الآمن والعادل.
وتكشف عضوية الكتلتين عن اختلاف واضح في امتدادهما الجغرافي؛ إذ تضم Pax Silica الولايات المتحدة واقتصادات تكنولوجية رئيسية في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، بينما تمتد WAICO بصورة أعمق إلى دول الجنوب العالمي، من بينها البرازيل وإندونيسيا وجنوب إفريقيا وباكستان وعدد من الدول الأفريقية.
لماذا تختار الدول جوانب مختلفة؟
لا تتطابق الكتلتان بشكل كامل؛ فـPax Silica هي في الأساس شراكة تركز على سلاسل التوريد، بينما WAICO منظمة دولية تأسست بموجب معاهدة وتتمحور حول التعاون والحوكمة في مجال الذكاء الاصطناعي. ويساعد هذا الاختلاف في تفسير إمكانية تداخل عضوية بعض الدول بين الطرفين.
بالنسبة إلى واشنطن، يمثل الوصول إلى أحدث الرقائق الإلكترونية وسلاسل التوريد الموثوقة مصدرًا رئيسيًا للنفوذ. ويضم النظام البيئي الأمريكي نقاط قوة في مجال أشباه الموصلات بدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وهولندا، في وقت تظل فيه العلاقات الاقتصادية الأوسع بين الولايات المتحدة والصين مترابطة بصورة وثيقة عبر التجارة بين البلدين.
في المقابل، تستطيع الصين توفير البنية التحتية والتدريب وإمكانية الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي ذات أوزان مفتوحة ومتزايدة التنافسية للاقتصادات النامية. وقد يكون هذا الأمر جذابًا بشكل خاص للدول التي ترى أن تمثيلها محدود في المؤسسات التكنولوجية التي تقودها الدول الغربية، أو التي ترغب في تجنب الاعتماد على مورد واحد.
الدول المتأرجحة في سباق الذكاء الاصطناعي
تُبرز الخريطة أيضًا عدة دول ضمن الاقتصادات الكبرى التي لا تزال مؤثرة، إذ تكتسب خيارات هذه الدول أهمية متزايدة مع صعوبة فصل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عن السياسة الخارجية.ديو
ولا يعني ذلك بالضرورة أن على كل دولة اختيار واشنطن أو بكين بشكل دائم؛ إذ تمتلك سنغافورة وغيرها من الاقتصادات العالمية المتصلة حوافز للحفاظ على الوصول إلى أنظمة تقنيات متعددة، خاصة مع اختلاف مستويات تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع حول العالم.
وتبدو المخاطر كبيرة؛ إذ تشير إحدى الدراسات إلى أن استثمارات مراكز البيانات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ قد تصل إلى نحو 800 مليار دولار بحلول عام 2030. ويعني ذلك أن القرارات التي تُتخذ اليوم بشأن الرقائق الإلكترونية، والحوسبة السحابية، وأنظمة الطاقة، والمعايير التقنية، قد تسهم في ترسيخ العلاقات بين الدول لعقود.
بدلًا من ظهور عالمين رقميين منفصلين بين عشية وضحاها، يتمثل الخطر الأكبر في حدوث تجزئة تدريجية، قد تواجه معها الدول قواعد مختلفة تحكم الوصول إلى البنية التحتية السحابية، والمعايير التقنية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، بحسب شراكاتها الدولية.
لكن الخريطة توضح أيضًا محدودية تشبيه الوضع بالحرب الباردة؛ فهذه التكتلات ليست حصرية، ولا تمثل تحالفات عسكرية، كما أن العديد من الاقتصادات ذات الأهمية الاستراتيجية لا تزال خارج أي من المعسكرين. وقد لا يدور التنافس في نهاية المطاف حول الدولة التي تطور أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي، بل حول النظام البيئي الذي يصبح من الصعب الاستغناء عنه.
وتراهن واشنطن على السيطرة على نقاط الاختناق الحيوية في سلاسل التوريد والبنية التحتية الموثوقة، بينما تعمل بكين على بناء تحالف أوسع حول الوصول إلى التكنولوجيا وتطويرها، مع منح الاقتصادات الناشئة دورًا أكبر في إدارة الذكاء الاصطناعي.













