أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، وينهي هذا القرار عزلة مالية ودبلوماسية فرضتها واشنطن على دمشق منذ عام 1979 في عهد الرئيس الأسبق حافظ الأسد، واستمرت خلال حكم نجله بشار حتى الإطاحة به في ديسمبر 2024 على يد فصائل معارضة بقيادة الرئيس الحالي أحمد الشرع، ويسقط هذا الإجراء الحاجز الأخير أمام تدفق استثمارات القطاع الخاص وإعادة ربط البلاد بالنظام الاقتصادي العالمي بعد 14 عامًا من الحرب المدمرة.
ويترك الخروج السوري من القائمة الأمريكية 3 دول فقط تصنفها واشنطن كدول راعية للإرهاب، وهي كوبا وإيران وكوريا الشمالية.
وتأتي هذه الخطوة استكمالًا لمسار بدأ في يونيو 2025 عندما وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا بعنوان «توفير إلغاء العقوبات عن سوريا»، أنهى بموجبه برنامج العقوبات الشامل وحالة الطوارئ الوطنية، وأمر بمراجعة التصنيفات الإرهابية المرتبطة بالبلاد.
وتختلف قيود تصنيف «الراعي للإرهاب» عن العقوبات الاقتصادية العادية، كونها تفرض حظرًا ممتدًا على المساعدات الخارجية وصادرات الدفاع والمعاملات المالية والسلع مزدوجة الاستخدام.
تفاوض مغلق واشتراطات أمنية
وربطت واشنطن قرار الرفع بالإجراءات الإيجابية والالتزامات الإضافية التي اتخذتها حكومة أحمد الشرع لإبعاد البلاد عن الإرهاب الدولي، التي شملت انضمام دمشق رسميًا إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش في نوفمبر، وتنفيذ عمليات ميدانية لتفكيك شبكات تنظيم داعش والقاعدة وحزب الله والجماعات المرتبطة بإيران. وسلط وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الضوء على هذا التحول حين قال «هذه الإجراءات جاءت جميعها اعترافًا بالخطوات الإيجابية والالتزامات الإضافية التي اتخذتها الحكومة السورية برئاسة الرئيس أحمد الشرع لإبعاد سوريا بشكل كامل عن أعمال الإرهاب الدولي».
جاء هذا الإعلان مسبوقًا بأشهر من التفاوض في الغرف المغلقة حول السياسات الاقتصادية والخارجية لدمشق، حيث التقى ترامب بالشرع في أنقرة خلال شهر يوليو وأخطر الكونجرس بقراره لاحقًا، موجهًا رسالة للرئيس السوري وعده فيها بإزالة كل الحواجز التي تمنع سوريا من إعادة الإعمار.
وفي مقابل ذلك، وافقت دمشق خلال المباحثات على خفض حاد لوارداتها من النفط الروسي، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر مطلعة، مما يبرز طبيعة التفاهمات المتبادلة بين الطرفين.
ترقب مالي واستحقاقات ترميم المنظومة
لقي القرار الأمريكي أصداء واسعة داخل سوريا على المستويين الدبلوماسي والمالي. فقد أعرب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن أمله في أن يسهم رفع هذا العائق الأخير في إعادة ربط البلاد بالنظام المالي الدولي، موضحًا في تصريح قاطع «لم يعد هناك أي عائق أمام الاستثمار وممارسة الأعمال وإعادة بناء الحياة الاقتصادية في سوريا».
وفي السياق ذاته، اعتبر حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان القرار «خطوة تاريخية تعيد سوريا إلى مكانها الطبيعي داخل المنظومة الاقتصادية العالمية»، مضيفًا عبر منصة إكس «لقد عاد بلدنا إلى مكانه الطبيعي داخل المنظومة الاقتصادية العالمية». وأكد رسلان البعد المؤسسي للمرحلة المقبلة بقوله «نعمل في مصرف سوريا المركزي على بناء منظومة مالية حديثة وموثوقة، قادرة على مواكبة كل الفرص والاستفادة منها».
وتتزامن هذه التحركات مع صدور المشورة الثلاثية المشتركة عن وزارات التجارة والخزانة والخارجية الأمريكية لتلخيص إعفاءات العقوبات وضوابط التصدير، مما يؤكد أن الإجراء يندرج ضمن أطر تقنية وقانونية متكاملة.
ورغم وصف واشنطن القرار بأنه يزيل الحواجز الرئيسية الأخيرة أمام القطاع الخاص، تبقى هناك تحديات مؤسسية داخلية تتطلب استكمال بناء المنظومة المالية المحلية لتتحول عملية شطب اسم سوريا من القائمة الأمريكية بعد 47 عامًا إلى واقع ملموس في حياة المواطنين الذين يعيدون تشييد ما دمرته سنوات الحرب.








