تصطدم مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية لإنهاء الاعتماد التام على المعادن الصينية الحيوية بحلول الموعد النهائي المحدد في الأول من يناير عام 2027 بحقيقة معقدة، تتمثل في عدم جاهزية الشركات الأمريكية العاملة في قطاع التعدين والمعالجة.
ورغم ضخ واشنطن عشرات الملايين من الدولارات في عشرات الشركات لتعزيز الأمن القومي وتخفيف السيطرة الصينية على سلاسل توريد الأسلحة والمنتجات الاستراتيجية، فإن الإنتاج المحلي يظل بعيدًا كل البعد عن تلبية الاحتياجات الفعلية للصناعة الدفاعية والمدنية.
ومع الاقتراب التدريجي لتطبيق اللوائح الفيدرالية التي تحظر على مقاولي الدفاع والمصنعين شراء العناصر الأرضية النادرة والمغناطيس والتنغستن والموليبدينوم من دول مثل الصين وروسيا وإيران، تعود قضية الإعفاءات الحكومية إلى الواجهة، وتأتي هذه التطورات رغم منشورات ترامب الغاضبة على المنصات الاجتماعية وأوامره التنفيذية الصارمة للحد من الاستثناءات وإلزام الوكالات بمنتجات محلية، إذ يؤكد خبراء ومحللون في القطاع أن الشركات الأمريكية تفتقر للقدرة التصنيعية التي تمكنها من الاستغناء عن الموردين الخارجيين في المدى القريب.
فجوة عرض وطلب المعادن في واشنطن
وتتجسد الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الصناعي في الأرقام المسجلة لإنتاج مغناطيس العناصر الأرضية النادرة، إذ يحتاج السوق الأمريكي عشرات آلاف أطنان المتريات سنويًا، بينما لا تتجاوز القدرة الإنتاجية المحلية حاليًا سوى بضعة مئات من الأطنان، ورغم المحاولات الجارية لرفع هذه القدرة بحلول نهاية العام، تبقى المسافة شاسعة أمام تغطية الطلب الضخم للسيارات والأسلحة وأجهزة الكمبيوتر، كما يتفاقم المأزق بالنظر إلى معادن حيوية أخرى كالتنغستن والتنتالوم التي توقف إنتاجها المحلي منذ عقود طويلة، ولا تزال مشاريع إعادة تشغيل مناجمها في مراحل التطوير والتخطيط التي قد تمتد لسنوات قادمة.
ويمتلك الجانب الأمريكي احتياطيات جيولوجية لبعض المعادن الحيوية، لكن المعضلة الحقيقية تكمن في غياب البنية التحتية لتكريرها ومعالجتها، وفي المقابل، هيمنت الصين على تكرير الرقائق والمعادن لتسيطر على النسبة الأكبر من هذا القطاع عالميًا، ما يضع سلاسل التوريد تحت تهديدات مستمرة في حال فرضت بكين قيودًا على التصدير، كما تسببت سياسات الأسعار المنخفضة والإغراق في تقليل ربحية المشاريع الأمريكية الناشئة، ما أبطأ الاستثمارات وجعل الاعتماد على المورد الخارجي الخيار الأكثر ملاءمة ماليًا لمقاولي الدفاع.
وأمام هذه التحديات المتزايدة، اضطرت الإدارة الأمريكية للبحث عن مسارات بديلة عبر الاستيراد المؤقت والشراكات الدولية، حيث تم إطلاق مبادرات تمويلية ضخمة مثل مشروع "فولت" لتخزين المعادن الأساسية، وقد أقر مسؤولون أمريكيون باللجوء لشراء المعادن النادرة من أي مكان في العالم، بما في ذلك الصين نفسها، لبناء هذا المخزون الاستراتيجي.
وتسببت هذه الخطوة في إثارة غضب شركات التعدين والمعالجة الناشئة داخل الولايات المتحدة، والتي ترى أن استمرار الاستيراد والإعفاءات يقلل من حافز مقاولي الدفاع للتعاقد مع المنتج المحلي ويؤخر بناء الاستقلال الاستراتيجي، في الوقت نفسه، تبدو الحلول التقنية لتكرير المعادن بطيئة ومحفوفة بالتعقيدات التنفيذية، إذ تحاول العديد من الشركات المدعومة حكوميًا تطوير تقنيات معالجة أسرع وأرخص لتجاوز الطرق التقليدية أو استيرادها، إلا أن تغيير متطلبات العقود الحكومية والصعوبات الفنية أدت لتأجيل التشغيل التجاري لهذه المنشآت إلى سنوات مقبلة.
وبينما تقدم الشراكات مع حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية جسرًا مؤقتًا لتوريد المغناطيس والمعادن، تظل الصناعة الأمريكية بحاجة إلى سنوات طويلة من العمل الشاق لتأسيس خطوط إنتاج وتكرير مكتملة قادرة على الصمود والاستغناء عن الواردات الصينية.













