يمثل الصراع المحتدم بشأن مصير رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والموقف الأمريكي منه فرصة أيديولوجية وسياسية ذهبية يستفيد منها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعمدة نيويورك، زهران ممداني على حد سواء، على الرغم من التناقض الجذري في موقفهما وأهدافهما السياسية.
فبالنسبة لترامب، الذي يواجه تراجعًا ملحوظًا في معدلات التأييد الشعبية لعدم إيفائه بوعوده الاقتصادية، يظل حسه السياسي حادًا في اقتناص الفرص، إذ يجد في افتعال معركة مع عمدة نيويورك أداة مثالية لتصوير الحزب الديمقراطي بأكمله ككيان متطرف خارج عن المألوف الأمريكي، وفي المقابل، يجد زهران ممداني في هذا التحدي الفيدرالي المباشر فرصة استراتيجية لتأكيد صلابة برنامجه التقدمي والوفاء بتعهداته الانتخابية القاضية باعتقال نتنياهو بناءً على مذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
خوض هذه المعركة يمنح ممداني وزنًا سياسيًا على المستوى الوطني، ويسهل انتقاله السلس من مجرد ناشط ثوري من خارج الأطر التقليدية إلى مسؤول تنفيذي يحافظ على رصيده لدى قواعده الشعبية الشابة التي ترى في موقفه تجسيدًا قيميًا لا تنازل عنه.
شرارة المواجهة بين واشنطن وبلدية نيويورك
اندلعت هذه المواجهة الساخنة عقب تمسك ممداني العلني بتطبيق قرارات الشرعية الدولية والقبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي حال وقوفه على أرض مدينة نيويورك، وهو ما استدعى ردًا سريعًا وقاطعًا من ترامب، مؤكدًا أن واشنطن لن تسمح باحتجاز نتنياهو بأي شكل من الأشكال.
ورغم أن هذا الصدام يفتح بابًا واسعًا أمام نزاع دستوري وقانوني شائك يتعلق بمدى صلاحيات السلطات المحلية في فرض قيود على شخصيات حليفة للإدارة الفيدرالية، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بعدم مصادقة الولايات المتحدة على نظام روما الأساسي والسماح التاريخي بقادة الدول المتعادية بالوصول إلى مقر الأمم المتحدة، فإن البعد الإجرائي لا يمثل جوهر الصراع، فالأهمية الحقيقية لهذه الأزمة تكمن في أن خوض المعركة بحد ذاته وتصديرها للإعلام يمثل غاية بحد ذاتها للشخصيتين، إذ تحول الخلاف الدبلوماسي إلى مسرح لصناعة رأس المال السياسي واستقطاب الجماهير.
الاستراتيجية الانتخابية لترامب
يستغل ترامب خيار ممداني ليعيد إنتاج استراتيجيته التقليدية القائمة على تحويل القضايا الفردية إلى معارك ثقافية وأيديولوجية واسعة، ويتخذ من عمدة نيويورك نموذجًا نمطيًا يعممه على أعضاء الحزب الديمقراطي كافة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ويسعى من خلال ذلك إلى صرف أنظار الشارع الأمريكي عن أزمات معيشة الطبقة المتوسطة وتراجع ثقة الشارع في إدارته الاقتصادية، عبر نقل مركز النقاش نحو التهديدات القيمية والسياسية.
وقد نجح ترامب سابقًا في استخدام أسلوب مشابه عند مهاجمته لشخصيات تقدمية بارزة وشيطنتها لإعادة حشد الناخبين المحافظين والكتل الإنجيلية، إضافة إلى محاولة استمالة كتل تصويتية تقليدية كالمواطنين اليهود المتخوفين من التحولات داخل التيار الليبرالي.
آراء ممدني تعكس تحولًا داخل الحزب الديمقراطي
تكتسب آراء ممداني بشأن إسرائيل وزنًا كبيرًا لكونها تعكس تحولًا بنيويًا وعميقًا داخل أروقة الحزب الديمقراطي، إذ لم تعد المواقف الناقدة لتل أبيب مجرد أصوات هامشية، بل أصبحت عقيدة راسخة لدى الجيل الجديد من التقدميين الذين يرون أن أعمال العنف والدمار في غزة تتجاوز الحدود المشروعة للدفاع عن النفس.
ويتسع هذا الخطاب بين المرشحين الشباب ليرتبط مباشرة بالأولويات الاقتصادية اليومية، إذ يطرح السياسيون التقدميون تساؤلات حادة حول مدى صواب توجيه أموال الضرائب الأمريكية لدعم الصراعات العسكرية الخارجية في وقت تعاني فيه المدارس والمستشفيات والبنية التحتية المحتضرة داخل الولايات الأمريكية من نقص التمويل، وبذلك تتحول النظرة إلى السياسة الخارجية من ملف مغلق إلى قضية تمس معيشة المواطن الأمريكي وقدرته على الاستمرار.
وفرضت هذه المعركة واقعًا معقدًا وأحدثت تصدعات حادة في الصف الديمقراطي، وينقسم الحزب بين جناح تقدمي اندفاعي يرى في الدفاع عن القوانين الدولية واجبًا إنسانيًا ومكسبًا انتخابيًا، وبين جناح وسطي يحذر من أن التمادي في التصريحات المناهضة لنتنياهو قد ينحرف نحو خطاب معادٍ يستغله الجمهوريون لإضعاف موقف الحزب في الولايات المتذبذبة.
وفي ظل تراجع التأييد التقليدي لإسرائيل حتى داخل بعض التيارات القومية في الحزب الجمهوري نفسه، تبدو هذه الأزمة بمثابة تمهيد ديناميكي ومبكر للصراعات التي ستشهدها الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتؤكد المعطيات كافة أن استثمار ترامب وممداني في صراع نتنياهو سيظل وقودًا يغذي الخطاب السياسي لطرفي النزاع لعدة أشهر مقبلة، ما يجعل من أزمة القضاء الدولي فرصة مكفولة للطرفين لتثبيت حضورهما القيادي.













