تقف الإدارة الأمريكية أمام لحظة فارقة في مواجهتها العسكرية مع إيران، إذ تشير التقديرات الاستخباراتية والإقليمية إلى محددين رئيسيين لا ثالث لهما للتعامل مع الأزمة الحالية، يتمثل المسار الأول في القبول بمبادرة خفض التصعيد والوصول إلى وقف إطلاق نار مؤقت يستمر لمدة عشرة أيام، بهدف تأمين حركة الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، أما المسار الثاني فيتجسد في الانخراط في حملة عسكرية واسعة النطاق بالتنسيق المباشر مع إسرائيل لإجبار النظام الإيراني على الاستسلام الكامل.
ولم يستقر القرار النهائي بعد داخل البيت الأبيض، إلا أن المعطيات تؤكد أن الساعات والقليلة المقبلة ستحدد شكل الصراع الذي شل الحركة الاقتصادية في منطقة الخليج، إذ تتحرك قطر ومصر وباكستان وسلطنة عمان عبر قنوات دبلوماسية مكثفة لتقديم خطة عمل تضمن وقف العمليات العسكرية لمدة 10 أيام، وعلى الرغم من دراسة واشنطن لهذه المقترحات وحثها لإسرائيل على ضبط النفس لإنجاح الوساطة، فإن الاستعدادات الميدانية تتجه نحو خيار المواجهة.
ودفع الجيش الأمريكي بسرب من الطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود إلى القواعد القريبة لتأمين الغطاء الجوي اللازم لتصعيد واسع، بالتوازي مع رفع جاهزية القوات الإسرائيلية للدرجة القصوى استعدادًا لحملة جوية منسقة وممتدة قد تنطلق في أي لحظة.
تصاعد التكلفة البشرية والاقتصادية لحرب إيران
جاءت هذه التطورات بعد 10 ليالٍ من القصف الجوي الأمريكي المكثف الذي فشل في إنهاء السيطرة الإيرانية على ممرات الملاحة في مضيق هرمز، ما زاد من تعقيد الموقف الميداني، وأسفر تصاعد المواجهات عن مقتل جنود أمريكيين، ما دفع الرئاسة الأمريكية للوعيد بالرد ومضاعفة الخسائر على الجانب الإيراني.
واقتصاديًا، انعكس الصراع على الأسواق العالمية برفع أسعار النفط لتتجاوز 90 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع استهداف السفن التجارية والبنية التحتية للطاقة، ما أثر سلبًا على أسعار المحروقات داخل الولايات المتحدة وزاد من النقمة الشعبية ضد الحرب.
تفاصيل مبادرة التهدئة بين واشنطن وطهران
وتسعى المبادرة التي تقودها الدول الوسيطة إلى إنهاء دوامة الانتقام والتأسيس لترتيبات جديدة تمنح الأطراف فرصة لإحياء الاتفاقات المنهارة، ويرتكز الاقتراح على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز عبر مسارين، أحدهما جنوبي يمر بالمياه العمانية والآخر شمالي يمر بالمياه الإيرانية، مع وقف كل أشكال الحصار والجمود العسكري.
وتتضمن المقترحات المطروحة لمرحلة ما بعد الهدنة إمكانية السماح لطهران بتحصيل رسوم تنظيمية مقابل خدمات الأمن البحري والحماية البيئية، استنادًا إلى نماذج دولية قائمة مثل مضيق ملقا، أو إيداع تلك العائدات في صندوق مشترك تشرف عليه المنظمة البحرية الدولية.
ورغم المبادرات المطروحة، يستمر الطرفان في محاولة فرض شروط تفاوضية أفضل عبر تكثيف الضربات المتبادلة قبل الإقدام على أي التزام رسمي، ومن جانبها، جددت تل أبيب تحذيراتها بشن ضربات قاسية ردًا على أي استهداف إيراني مباشر، ما يرفع احتمالات نشوب حرب إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود الخليج.
ضربة الأردن وتعثر المسار الدبلوماسي
وشهدت جهود الوساطة انتكاسة عقب هجوم صاروخي في الأردن أدى إلى سقوط ضحايا في صفوف القوات الأمريكية، ما دفع واشنطن لإعادة التفكير في توقيت الهدنة، وتؤكد المصادر الرسمية الأمريكية أن واشنطن تركز حاليًا على إخضاع طهران للتراجع ومحاسبتها على الخسائر البشرية المباشرة قبل مناقشة تفاصيل خفض التصعيد، كما أقر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بتسلم المقترحات الدبلوماسية، مع التأكيد على استمرار القوات المسلحة الإيرانية في التصدي للضربات الأمريكية.
ويبقى موقف الإدارة الأمريكية غامضًا بشأن قبول هدنة مؤقتة جديدة دون الحصول على ضمانات ملزمة لتسوية دائمة، خصوصًا مع تصاعد حدة التصريحات البيت الأبيض التي تصف المفاوضات بأنها غير جدية، وتكشف المعطيات أن الخيار الأقرب حاليًا هو استمرار عمليات القصف لعدة أيام أخرى بهدف الرد على استهداف الجنود الأمريكيين، قبل الدخول في مناقشات جادة حول الاقتراح الإقليمي، حيث يؤكد الوسطاء أن صيغة الحل المستدام تتطلب التوصل إلى معادلة توازن يدرك فيها الجميع أنه لا يمكن الاستسلام لشروط طهران كما لا يمكن تجاهل ثقلها الميداني.













