قبل خمسة وعشرين عامًا، وُضع حجر الأساس للمحكمة الجنائية الدولية باعتبارها أول محكمة دائمة تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية، لكن بعد ربع قرن من عملها، لا تزال الأسئلة مطروحة حول مدى قدرتها على تحقيق العدالة، بعدما اقتصرت حصيلة أحكامها على عشر إدانات فقط، في وقت تستمر فيه النزاعات والانتهاكات في مناطق عدة حول العالم.
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة نظام "روما" الأساسي عقب مؤتمر دبلوماسي استضافته العاصمة الإيطالية روما عام 1998 واستمر أربعة أسابيع، قبل أن يدخل النظام حيز التنفيذ في يوليو 2002، ليؤسس المحكمة الجنائية الدولية رسميًا.
ويحدد نظام روما الأساسي أربع جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة، هي الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، وتتخذ المحكمة من مدينة لاهاي الهولندية مقرًا لها، وتملك صلاحية إصدار أحكام بالسجن تصل إلى 30 عامًا، أو السجن المؤبد في الحالات الاستثنائية.
وعلى خلاف محكمة العدل الدولية، التي تنظر في النزاعات بين الدول، تبقى المحكمة الجنائية الدولية الهيئة القضائية الدولية الوحيدة المخولة بالتحقيق مع الأفراد ومحاكمتهم على الجرائم الأشد خطورة التي تمس المجتمع الدولي.
قبل 25 عامًا.. مجرد فكرة
لم تولد فكرة المحكمة الجنائية الدولية مع نظام "روما"، بل تعود جذورها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، ثم عادت إلى الواجهة قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وتكررت خلال خمسينيات القرن الماضي، غير أن الحرب الباردة عطلت هذه المساعي.
واستمرت الدعوات لإنشاء محكمة جنائية دولية طوال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لكن الجرائم الجماعية التي شهدتها يوغوسلافيا السابقة عام 1993 ورواندا عام 1994 دفعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عملية نحو إنشاء محكمة دائمة.
وفي عام 1994، قدمت لجنة القانون الدولي مشروعها النهائي، وبعد سلسلة من المشاورات، أُقر نظام روما الأساسي بموافقة 120 دولة، مقابل اعتراض سبع دول وامتناع 21 دولة عن التصويت.
عضوية واسعة... وغياب مؤثر
لم توقع 41 دولة على المعاهدة، بينما انتقدت الصين والهند النظام الأساسي علنًا، أما روسيا والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة فقد وقعت عليه، لكنها لم تستكمل إجراءات التصديق عليه في تشريعاتها الوطنية.
ومنذ البداية، اتسمت علاقة الولايات المتحدة بالمحكمة بالتوتر، إذ يمنح اختصاص المحكمة صلاحية ملاحقة مواطني الدول غير الأعضاء إذا ارتُكبت الجرائم داخل أراضي دولة عضو.
وفي عام 2020، صعّدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفها بفرض عقوبات على المدعين العامين في المحكمة الجنائية الدولية، شملت تجميد الأصول وإلغاء التأشيرات.
10 إدانات خلال 25 عامًا
كان توماس لوبانغا ديليو، الرئيس السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية، أول شخص تدينه المحكمة الجنائية الدولية، بعدما أُدين في مارس 2012 بارتكاب جرائم حرب تمثلت في تجنيد أطفال دون الخامسة عشرة واستخدامهم في الأعمال القتالية، ومنذ ذلك الحين، باشرت المحكمة 30 قضية أخرى، انتهت إلى عشر إدانات وأربع تبرئات، فيما لا يزال 16 مشتبهًا بهم خارج قبضة العدالة.
وتضم المحكمة 18 قاضيًا تنتخبهم جمعية الدول الأطراف لولاية واحدة مدتها تسع سنوات غير قابلة للتجديد، بينما تبلغ ميزانيتها السنوية نحو 200 مليون يورو، وتعرضت المحكمة لانتقادات بسبب محدودية نتائجها مقارنة بحجم الإنفاق، وهي اتهامات يرفضها ائتلاف المحكمة الجنائية الدولية.
بدوره، قال المدعي العام للمحكمة كريم خان: "في الذكرى الخامسة والعشرين لنظام روما الأساسي، علينا أن نراجع ما تحقق، والأهم أن نحدد ما يمكن إنجازه معًا، يجب أن تكون هذه المناسبة نقطة انطلاق لتسريع العمل من أجل جعل العدالة التي انتظرتها المجتمعات طويلًا واقعًا ملموسًا".
قضية فلاديمير بوتين.. اختبار غير مسبوق
شكّل التحقيق في الجرائم المنسوبة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، إذ نقلها إلى قلب واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية على الساحة الدولية.
ففي 17 مارس 2023، وبعد أكثر من عام على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق بوتين، متهمةً إياه بالمسؤولية عن "الترحيل غير القانوني ونقل الأطفال الأوكرانيين من المناطق المحتلة في أوكرانيا إلى روسيا الاتحادية"، وهي تهمة تندرج ضمن جرائم الحرب.
وفي اليوم نفسه، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق مفوضة حقوق الطفل في روسيا، ماريا أليكسييفنا لفوفا بيلوفا، مؤكدة أن هناك "أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السيدة لفوفا بيلوفا تتحمل مسؤولية جنائية فردية عن الجرائم المذكورة، لارتكابها الأفعال بشكل مباشر أو بالاشتراك مع آخرين أو من خلال آخرين".
ومثّل القرار سابقة في تاريخ المحكمة، إذ إنها المرة الأولى التي تستهدف فيها رئيس دولة عضو دائم في مجلس الأمن وهو لا يزال في منصبه، ما أعاد الجدل حول قدرة المحكمة على ملاحقة قادة الدول الكبرى، وحدود تنفيذ قراراتها في ظل غياب آليات إلزامية للاعتقال.
ورغم أن قضية ترحيل الأطفال حظيت باهتمام واسع، فإنها أثارت أيضًا تساؤلات بشأن نطاق التحقيقات، في وقت تشير فيه تقديرات مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى سقوط نحو 24,862 ضحية مدنية في أوكرانيا منذ بدء الحرب، مع تأكيد المكتب أن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير.














