إطلاق الصين صاروخًا باليستيًا بعيد المدى من غواصة في جنوب المحيط الهادئ أعاد المنطقة إلى دائرة التوتر، وفتح بابا واسعا أمام أسئلة تتجاوز حدود التدريب العسكري الروتيني: لماذا الآن؟ ولماذا من هذه المنطقة؟ وما الرسالة التي تريد بكين إيصالها؟
الصاروخ الصيني يثير قلق الجيران
أعلنت البحرية الصينية أن غواصة تابعة لها أطلقت صاروخا استراتيجيا يحمل رأسا حربيا وهميا نحو مياه محددة في المحيط الهادئ، مؤكدة أن الصاروخ سقط بدقة داخل المنطقة المقررة.
ووصفت بكين الاختبار بأنه جزء من برنامج التدريب العسكري السنوي، وأنه جرى وفقا للقانون والممارسات الدولية ولم يكن موجها ضد أي دولة أو هدف بعينه.
لكن هذه الرواية لم تقنع دولا عدة في المنطقة، إذ اعتبر وزير الخارجية النيوزيلندي وينستون بيترز، أن الاختبار “تطور غير مرحب به ومثير للقلق”، خصوصا أن الإطلاق وقع داخل نطاق جنوب المحيط الهادئ الخالي من الأسلحة النووية، وهي منطقة تأسست بموجب معاهدة راروتونغا عام 1986.
وتزداد حساسية المسألة لأن الصين وقعت على بروتوكولات مرتبطة بالمعاهدة، تتعلق بعدم استخدام السلاح النووي أو التهديد به داخل هذه المنطقة، وكذلك عدم إجراء تجارب نووية فيها.
ورغم أن الرأس الحربي المستخدم في الاختبار كان وهميا، فإن دلالة الإطلاق لم تكن وهمية على الإطلاق، إذ أن الصاروخ الصيني جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وسط تصاعد القلق من التوسع العسكري لبكين، وتزايد حضورها البحري في المحيط الهادئ، ولهذا رأت أستراليا أن الاختبار يحمل طابعا مزعزعا للاستقرار، خاصة في ظل ما وصفته وزيرة الخارجية بيني وونغ بالحشد العسكري الصيني السريع، الذي لا ترافقه شفافية كافية بشأن النوايا.
تعزيز الأسطول الصيني
تعمل الصين منذ سنوات على تطوير قدراتها النووية والبحرية، وتعزيز أسطول الغواصات النووية القادرة على حمل صواريخ باليستية.
وتشغل البحرية الصينية غواصات من طراز Type 094، المعروفة أيضا باسم فئة “جين”، وهي تمثل العمود الفقري لقوة الردع النووي البحرية الصينية، فضلا عن امتلاكها صواريخ باليستية تطلق من الغواصات، أبرزها JL-2 وJL-3، ويعد الأخير أكثر تقدما من حيث المدى والقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة.
ورغم أن بكين لم تكشف نوع الصاروخ الذي جرى اختباره، فإن مجرد إطلاق صاروخ باليستي من غواصة يحمل رسالة استراتيجية واضحة، فالغواصات النووية تمنح الدول قدرة على الردع من البحر، لأنها أكثر صعوبة في الرصد مقارنة بالصواريخ الموجودة في قواعد برية أو صوامع ثابتة.
وبالنسبة لدول المحيط الهادئ، فإن الخوف لا يأتي فقط من الاختبار الحالي، بل من أن يتحول هذا النوع من التجارب إلى أمر طبيعي ومتكرر في منطقة تقدم نفسها تاريخيا باعتبارها مساحة خالية من الأسلحة النووية وتجاربها.
ردود أفعال دولية
استدعت نيوزيلندا في موقفها ذاكرة الاختبار الصيني السابق في سبتمبر 2024، عندما أطلقت بكين صاروخا باليستيا عابرا للقارات في المحيط الهادئ، في أول اختبار من نوعه في المياه المفتوحة منذ عقود، وقتها أيضا قالت الصين إن الاختبار روتيني، لكن دولا عدة قرأته باعتباره مؤشرا على مرحلة جديدة من الاستعراض العسكري الصيني خارج حدوده التقليدية.
في المقابل، لا يمكن فصل ما فعلته الصين عن سلوك القوى النووية الأخرى، فالولايات المتحدة وروسيا والهند تجري بدورها اختبارات لصواريخ باليستية تطلق من الغواصات، باعتبارها جزءا من برامج الردع النووي.
لكن الفرق أن جنوب المحيط الهادئ يحمل حساسية خاصة، بسبب تاريخه الطويل مع التجارب النووية والمعاهدات التي نشأت لحماية دوله وجزره من العودة إلى تلك المرحلة، من جانبها تقول بكين إنه تدريب روتيني لا يستهدف أحدا، أما أستراليا ونيوزيلندا واليابان فترى أن الاختبار يرسل إشارة مقلقة، ويزيد الغموض حول نوايا الصين العسكرية ويضع المحيط الهادئ أمام احتمال تحول جديد في قواعد التوازن الإقليمي.













