دخلت إيران مرحلة سياسية جديدة بعد الحرب التي خاضتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط تغييرات كبيرة في هرم السلطة واستمرار مسار دبلوماسي لم يحسم بعد القضايا التي أشعلت الصراع، وفقًا لتحليل نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
ورغم استمرار وقف إطلاق النار واستئناف المحادثات بين واشنطن وطهران، فإن ملفات أساسية، مثل البرنامج النووي الإيراني ومستقبل مضيق هرمز، لا تزال دون تسوية نهائية، ما يجعل المرحلة الحالية مفتوحة على احتمالات متعددة.
قيادة جديدة بعد الحرب
تشهد إيران وداع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، الذي قُتل قبل أكثر من أربعة أشهر خلال الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المشتركة التي بدأت الحرب، وهو ما مثّل تحولًا كبيرًا في بنية النظام الإيراني.
ولا يقتصر هذا التحول على تغيير الأشخاص، بل يشمل أيضًا أسلوب إدارة الدولة والملفات الإقليمية، مع صعود جيل جديد إلى مواقع القيادة.
وقال أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، ولي نصر، إن هذه الحرب أعادت ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، معتبرًا أنها ستكون من الحروب التي تعيد تشكيل المنطقة.
دخلت إيران الحرب وهي تواجه احتجاجات داخلية وأزمة اقتصادية نتيجة سنوات من العقوبات الدولية، كما تعرض برنامجها النووي لأضرار كبيرة خلال المواجهات العسكرية.
وفي الوقت نفسه، واجه حلفاء إيران الإقليميون سلسلة من الانتكاسات في سوريا ولبنان وغزة واليمن، ما زاد الضغوط على طهران قبل اندلاع الحرب.
ورغم هذه التطورات، بقي النظام الإيراني قائمًا، واستطاع استخدام موقعه الجغرافي وأهمية مضيق هرمز كورقة ضغط خلال الحرب.
جيل جديد في السلطة
يرى ولي نصر أن الحرب نقلت السلطة إلى جيل جديد يختلف عن الجيل الذي قاد الثورة الإسلامية عام 1979.
وأوضح أن القيادة الجديدة تضم مسؤولين يركزون بصورة أكبر على الحفاظ على الدولة وإدارتها، وليس فقط على الشعارات الأيديولوجية.
ويشير التحليل إلى أن المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، يبلغ من العمر 56 عامًا، بينما يقود الرئيس مسعود بزشكيان الحكومة في ظل غياب الجيل الأول للثورة عن المشهد السياسي.
كما يبرز رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، وكلاهما يرتبط بالحرس الثوري الإيراني.
وترى الباحثة في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمؤسسة تشاتام هاوس، صنم وكيل، أن غياب القيادة السابقة أزال أحد أبرز العوامل التي كانت تبطئ تطور النظام السياسي الإيراني.
يختلف أسلوب القيادة الجديدة عن نهج علي خامنئي، الذي اتبع لسنوات سياسة وُصفت بأنها لا حرب ولا سلام.
وقال ولي نصر إن القيادة الحالية أظهرت استعدادًا أكبر لاستخدام القوة العسكرية، ثم العودة سريعًا إلى طاولة المفاوضات.
وأشار إلى أن إيران، خلال الحرب الأخيرة، نفذت هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت قواعد أمريكية في البحرين وقطر والكويت، وهو ما اعتبره تحولًا مقارنة بطريقة تعاملها مع أزمة اغتيال قاسم سليماني عام 2020.
كما أن استهداف القواعد الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز وضعا الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة أمام اختبار جديد، بعدما كانت واشنطن تعتمد على شبكة قواعدها العسكرية وعلاقاتها مع دول الخليج لاحتواء إيران.
الخليج يعيد تقييم حساباته
يرى علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن الحرب دفعت بعض دول الخليج إلى إعادة تقييم حساباتها الأمنية، بعد أن أصبحت القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها أهدافًا محتملة للهجمات.
وأضاف أن بعض دول الخليج بدأت تسعى إلى تهدئة علاقاتها مع إيران، مع استمرار اعتمادها في الوقت نفسه على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
وأشار التحليل أيضًا إلى تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية تحدث عن استعداد السعودية لاستضافة قمة مصالحة تجمع إيران ودول الخليج، في إطار جهود تهدف إلى تخفيف التوترات الإقليمية.
تتوقع الباحثة أنيسة بصيري تبريزي استمرار تركيز القيادة الجديدة على إحكام السيطرة الداخلية، مع عدم توقع تغيير جذري في طريقة التعامل مع المعارضة.
وفي المقابل، يشير التحليل إلى بعض المؤشرات الاجتماعية، مثل تراجع تطبيق قواعد الحجاب خارج المؤسسات الحكومية، وتوفر المشروبات الكحولية بصورة غير معلنة في بعض مطاعم طهران، معتبرًا أن هذه الخطوات قد تعكس مقاربة أكثر براغماتية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الداخلي.
وقال ولي نصر إن هذه التغييرات ترتبط بما وصفه بـمصلحة الدولة، إذ ترى القيادة الجديدة أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب قدرًا أكبر من المرونة.
نافذة دبلوماسية لا تزال مفتوحة
دخلت إيران والولايات المتحدة مسارًا تفاوضيًا جديدًا قد يقود إلى إعادة صياغة العلاقة بين البلدين إذا نجحت المفاوضات.
واستفادت طهران بالفعل من إعفاءات أمريكية مؤقتة من العقوبات سمحت لها بتصدير النفط لمدة 60 يومًا، مع احتمال اتخاذ خطوات إضافية خلال فترة التفاوض، مثل الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، وصولًا إلى رفع العقوبات الدولية إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي.
كما تنص مذكرة التفاهم على إنشاء خطة لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة 300 مليار دولار، رغم استمرار الغموض بشأن الجهة التي ستتولى تمويلها.
وترى صنم وكيل أن المنطقة تمر بـ نافذة فرصة، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن فشل المفاوضات قد يعيد المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهة العسكرية.
تقف إيران عند نقطة تحول، وسط فرصة لإعادة ترتيب علاقاتها الخارجية، لكن استمرار الخلافات حول البرنامج النووي ومضيق هرمز وعدد من الملفات الإقليمية يجعل مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة مفتوحًا بين التوصل إلى اتفاق أوسع أو عودة التصعيد.











