دخلت المنطقة فصلًا جديدًا من التوتر العسكري عقب اندلاع مواجهات مباشرة ومتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز، في ما عُدّ أول وأخطر خرق ميداني لاتفاق وقف إطلاق النار الهش، الذي تم التوصل إليه قبل أقل من أسبوعين بموجب مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة بين الجانبين.
وبدأت شرارة التصعيد بعدما اتهمت القيادة المركزية الأمريكية الحرس الثوري الإيراني بتنفيذ هجوم بطائرات مسيّرة استهدف سفينة الشحن التجارية إفرلافلي، التي ترفع علم سنغافورة، في أثناء عبورها الممر المائي الدولي، وفي المقابل، بررت طهران استهداف السفينة بدعوى أنها كانت تبحر في مسار غير مصرح به، بحسب برنامح "هنا الرياض" المذاع على قناة "الإخبارية".
ولم يتأخر الرد الأمريكي، إذ شنت مقاتلات تابعة للقيادة المركزية غارات جوية مكثفة استهدفت أربعة مواقع ساحلية إيرانية، إلى جانب منشآت حيوية في جزيرة قشم الاستراتيجية، وتركزت الضربات على مستودعات تخزين الصواريخ، ومنصات إطلاق الطائرات المسيّرة، ومحطات الرادار الساحلية التابعة للحرس الثوري.
أين مصالح الخليج من الاتفاق؟
ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهجوم الإيراني بأنه "انتهاك أخرق" للتفاهمات، فيما توعد نائبه جي دي فانس بأن "العنف سيقابل بالعنف" لحماية حرية الملاحة الدولية.
وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ ضربات انتقامية استهدفت مواقع وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، بالتزامن مع إعلان القوات المسلحة الإيرانية إعادة إغلاق مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الملاحة البحرية، مبررة ذلك بعدم تنفيذ واشنطن البند الأول من مذكرة التفاهم، إلى جانب ما وصفته باستمرار الخروقات العسكرية في جبهات أخرى بالمنطقة.
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور إبراهيم النحاس إن مذكرة التفاهم والاتفاق لم يراعيا الشواغل الخليجية ولا المطالب التي تتمسك بها دول مجلس التعاون منذ سنوات، وفي مقدمتها التزام إيران بالقانون الدولي، إلى جانب وقف دعم التنظيمات والجماعات الإرهابية.
وأضاف أن الولايات المتحدة ذهبت بعيدًا عن دول مجلس التعاون، رغم العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الطرفين، مشددًا على أهمية أن تكون دول المجلس على اطلاع بتفاصيل أي اتفاقيات تُبرم مع إيران، وأن تتجاوز مرحلة الغموض في المفاوضات لمعرفة ما يُناقش وما يتم الاتفاق عليه، وأن تكون هذه التفاهمات واضحة ومعلنة، لا سرية.
وأشار النحاس إلى أن دول مجلس التعاون مطالبة بمواصلة تحركها السياسي والدبلوماسي، لافتًا إلى أنها أوصلت هذه الرسائل خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني، مؤكدًا أن دول المجلس تمثل منطقة ذات مسؤولية استراتيجية، ويجب أن تؤخذ مصالحها في الاعتبار في أي اتفاقات مستقبلية.
المنطقة أمام "سيناريوهات" أكثر تعقيدًا
وأوضح أن المرحلة الحالية أكثر خطورة من مراحل سابقة، لأنها تمتد إلى المياه الدولية في مضيق هرمز، الذي تعتمد عليه دول مجلس التعاون في تصدير الطاقة واستيراد السلع الغذائية والتجارية، مؤكدًا أن التعامل مع هذه التطورات يتطلب حكمة ورؤية دبلوماسية بعيدة المدى.
وأكد النحاس أن استمرار انتهاك الاتفاقات أو أي تفاهمات تُبرم في المنطقة سيقود إلى مزيد من التوتر والتصعيد، وهو ما سيقوض فرص نجاح أي اتفاق مستقبلي.
وأضاف أن السياسات الداخلية الإيرانية، إلى جانب النهج الذي يتبعه الحرس الثوري، تدفع نحو تكريس هذا التصعيد، مشيرًا إلى أن الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن القضايا التي تناولتها مذكرة التفاهم لا تزال قائمة، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى اتخاذ خطوات تصعيدية إضافية خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن هذه التطورات ستكون لها انعكاسات مباشرة على الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة، مستبعدًا تحقيق استقرار حقيقي ما دامت السياسات الإيرانية، على حد تعبيره، مستمرة في النهج الذي يتبعه الحرس الثوري منذ عام 1979.
وأشار إلى أن القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد علي خامنئي، تبنت خلال السنوات الماضية خطابًا تصعيديًا، متسائلًا كيف يمكن لها التراجع عن هذا النهج بعد كل تلك المواقف.
واختتم النحاس قائلًا "إن الأيام المقبلة تنذر باستمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة، في ظل سعي إيران إلى توسيع نفوذها، ليس في لبنان فحسب، بل في عدد من الدول العربية أيضًا"، إضافةً التداعيات المحتملة على حركة العبور والملاحة في المنطقة، بحسب تعبيره.













