يواجه الاتفاق بين إسرائيل ولبنان — الموقع في واشنطن برعاية دولية — خطر تكريس حالة الجمود العسكري والسياسي بدلاً من تقديم حل جذري للصراع القائم؛ وذلك بربطه تراجع القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله، وهو شرط يصفه محللون وسياسيون إقليميون بأنه "مستحيل التحقيق".
وتكمن المعضلة في أن التفاهمات الإطارية وضعت مقايضة غير قابلة للتطبيق؛ نظرًا لرفض الحزب القاطع تسليم ترسانته، في المقابل لا تمتلك الحكومة المركزية في بيروت القدرة العسكرية أو الغطاء الطائفي لفرض ذلك قسرًا.
غطاء سياسي للمنطقة العازلة
ويؤكد خبراء الشؤون الاستراتيجية أن غياب أي مؤشرات فعلية لتفكيك الترسانة العسكرية لحزب الله، يحول بنود التفاهم لغطاء سياسي يمنح تل أبيب الذريعة للحفاظ على وجود عسكري مفتوح زمنيًا في الجنوب.
ويترك الاتفاق بين إسرائيل ولبنان الدولة اللبنانية محاصرة بين التزامات دولية تعجز عن الوفاء بها، وسيادة منقوصة لا يمكنها استعادتها بالكامل، لاسيما وأن هذا التدبير يصطدم بالتركيبة الطائفية الهشة والمنظومة السياسية المبنية على التوافق وتقاسم السلطة بدلًا من الإكراه والصدام الداخلي المسلح.
ويرى المحلل السياسي مايكل يونغ أن الاختلال البنيوي مدمج في صلب وثيقة واشنطن؛ إذ يفرض أعباء شاملة على كاهل بيروت دون تقديم ضمانات ملزمة بالانسحاب الإسرائيلي.
أزمات الاتفاق بين إسرائيل ولبنان
وفي هذا السياق، فإن الاتفاق بين إسرائيل ولبنان يشرعن بقاء الإسرائيليين إلى أجل غير مسمى، وتحويل المنطقة العازلة التي استحدثها الجيش الإسرائيلي بعمق 8 إلى 10 كيلومترات إلى وضع دائم بصبغة دبلوماسية.
ووصف أستاذ العلاقات الدولية فواز جرجس الاتفاق بأنه "هدية سياسية مجانية"، استفادت من تعمد واشنطن الفصل بين مسارات التفاوض مع طهران والساحة اللبنانية لمنح تل أبيب حرية حركة أوسع.
وتسبب الإعلان عن الاتفاق بين إسرائيل ولبنان في إشعال جبهة سياسية داخلية؛ حيث اعتبره رئيس مجلس النواب نبيه بري "اتفاق إملاءات" لن يجد طريقه للتنفيذ، بينما وصفه الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بـ "صك استسلام باطل"، محذرًا من مغبة الانزلاق نحو اقتتال داخلي.
وفي المقابل، يتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالصيغة الراهنة، معلنًا بقاء قواته في "المنطقة الأمنية" لحماية بلداته الشمالية إلى حين التحقق من نزع السلاح؛ وهو طرح أيده مسؤولون إسرائيليون يرون في التفاهم خطوة دبلوماسية لبناء سلام طويل المدى برغم عدم ثقتهم في قدرات الدولة اللبنانية.
ويجزم ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق داني سيترينوفيتش بأن تفكيك الحزب لن يحدث، وبالتالي فإن الاتفاق بين إسرائيل ولبنان يكرس الوضع القائم.
ولفت إلى أن التوصل لـ "اتفاق واقعي ومحدود" يركز على انسحاب حزب الله إلى شمال نهر الليطاني وبسط سلطة الجيش اللبناني كان سيحظى بفرص نجاح أكبر، بدلًا من تضمين بنود تشبه "المتفجرات" التي تهدد بتفجير الاستقرار الأهلي ودفع الطائفة الشيعية نحو انتفاضة عارمة.











