يواجه ضحايا جرائم الحرب في لبنان عقبات جديدة قد تحول دون سعيهم لتحقيق العدالة والمحاسبة، وذلك في أعقاب توقيع اتفاق إطار جديد بين لبنان وإسرائيل.
المحاسبة الدولية
ويرى خبراء أن هذا الاتفاق، الذي يتألف من 14 نقطة تهدف إلى إنهاء القتال بين تل أبيب وحزب الله، قد يقضي تمامًا على الآمال المتعلقة بمنح المحكمة الجنائية الدولية اختصاصًا قضائيًا في لبنان؛ وهو المسعى الذي طالما ضغط من أجله نشطاء حقوقيون لمحاكمة إسرائيل وقادتها.
تكمن الإشكالية القانونية الأبرز في المادة 13 من هذا الاتفاق، والتي تنص على أن تل أبيب وبيروت سيتوقفان عن كافة الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية كخطوة لترسيخ حسن النية بين الطرفين.
وبسبب صياغتها الغامضة، يرى الخبراء أن هذه المادة قد تمنع الضحايا من السعي لمقاضاة المسؤولين عن جرائم الحرب التي يُزعم أن إسرائيل ارتكبتها خلال المواجهات المستمرة منذ 8 أكتوبر 2023، سواء كان ذلك عبر المحاكم الدولية أو حتى الوطنية.
وأكد فاروق المغربي، المستشار السابق لوزارة حقوق الإنسان، والذي ساهم سابقًا في صياغة قانون لمنح المحكمة الجنائية الدولية اختصاصًا في لبنان، أن هذا النص يمثل رصاصة الرحمة لأي أمل في منح المحكمة الجنائية الدولية هذا الاختصاص، بل ويقوض أي فرصة لإرسال بعثات تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة، ناهيك عن تجميد الجهود المحلية لتوثيق الجرائم والتحقيق فيها.
ومن جانبه، اعتبر رئيس منظمة "المفكرة القانونية" غير الحكومية، نزار صاغية، أن الخطوة الحكومية تمثل تطبيعًا للجريمة وتنازلاً عن الحقوق السيادية في ضمان ملاحقة هذه الجرائم أو حتى تقديم المساندة للضحايا في رحلتهم للوصول إلى العدالة، في الوقت الذي امتنع فيه المتحدث باسم الرئاسة اللبنانية عن التعليق على هذه الانتقادات.
وعلى الصعيد السياسي والعسكري، جابه هذا الاتفاق معارضة داخلية شرسة؛ حيث رفض الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، الاتفاق الموقع في واشنطن واصفًا إياه بـ "الإذلال"، تماشيًا مع موقف الجماعة الثابت الذي يطالب الحكومة اللبنانية بوقف التفاوض المباشر مع إسرائيل.
حصيلة الانتهاكات
ويأتي هذا التطور بعد جولة عنيفة من القتال بدأت عام 2023 حين أطلق حزب الله صواريخ تضامنًا مع حركة حماس، ما فجر حملات قصف واسعة وتوغلين بريين إسرائيليين في جنوب لبنان.
وأسفرت هذه العمليات عن مقتل أكثر من 8,000 شخص في لبنان، وشهدت استهدافًا إسرائيليًا أدى لمقتل أكثر من 10 صحفيين، وما يزيد عن 300 من مسعفي الطوارئ، فضلاً عن مئات النساء والأطفال، وهي ممارسات يراها خبراء حقوق الإنسان ترقى لجرائم حرب، بما في ذلك الاستهداف المتعمد للمدنيين والصحفيين في 13 أكتوبر 2023 والتهجير القسري لمئات الآلاف.
وقبل توقيع هذا الاتفاق، كان الالتماس الموجه للحكومة اللبنانية لمنح المحكمة الجنائية الدولية اختصاصًا محدودًا يمثل أحد أبرز السبل القانونية المتاحة للضحايا خاصة بعدما أصدرت المحكمة مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
وهو ما واجهته واشنطن وتل أبيب بحملة شرسة شملت فرض عقوبات أمريكية على قضاة المحكمة.
ورغم أن الحكومة اللبنانية لم تمنح هذا الاختصاص سابقًا بسبب تحفظات أولية من حزب الله ومخاوف من العقوبات الأمريكية، إلا أن اتفاق الإطار الجديد بات يشكل حجر عثرة إضافي يعزز بيئة الإفلات من العقاب.
وفي رد فعل رسمي على هذه المخاوف، أصدرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في بيروت بيانًا شددت فيه على أنه لا ينبغي لأي اتفاق سياسي أن يحرم الضحايا من حقوقهم المشروعة.
موضحة أن ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب هي "ممارسة مشروعة للحق في العدالة" ولا تندرج تحت بند العمل العدائي أو الموقف السياسي، كما انتقدت الهيئة ضبابية النص التي تجعل مفهوم "العمل العدائي أو السلبي" مطاطًا وغير محدد.
وبناءً على هذه المعطيات، يبقى الغموض سيد الموقف حول مصير البعثة الحالية لمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان التي وصلت مؤخرًا إلى لبنان لتقصي الحقائق؛ حيث يختتم نزار صاغية المشهد بالتحذير من أن تمرير هذا البند بعد كل ما جرى من الانتهاكات، يمنح إسرائيل نوعًا من الحصانة المسبقة ويشرعن الجرائم المرتكبة.














