رغم أن مسودة "مذكرة التفاهم" المقترحة بين واشنطن وطهران تبدو قصيرة نسبياً، إلا أن صياغتها النهائية تستغرق وقتاً طويلاً؛ ويعود ذلك إلى أن ضبط المصطلحات وتحديد التراتبية الزمنية للخطوات يمثلان جوهر الاتفاق، حيث تخضع كل كلمة للنقاش، إذ تشير التقارير إلى أنه حتى لو كانت المٍذكرة لا تتجاوز صفحة واحدة، فإن تفكيك الأزمة ليس بالأمر السهل.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إنه من الضروري التوصل إلى حل دبلوماسي واضح يحدد بدقة الملفات المطروحة وحجم التنازلات الأولية التي يقبل بها الجانب الإيراني لجعل هذا المسار جديراً بالاهتمام.
أعلن مسؤولون أمريكيون أن واشنطن وطهران توصلا إلى اتفاق مبدئي لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى تسوية مستدامة، إلا أن اشتراطات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بفرض سلسلة مطالب حازمة تتعلق بمضيق هرمز، والبرنامج النووي، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة؛ قوبلت برفض واسع في طهران.
وانتقدت وسائل إعلام إيرانية تصريحات ترامب واصفة إياها بمحاولة لتصدير "انتصار وهمي"، فيما أكدت الخارجية الإيرانية أن "الإملاءات" الأمريكية مجرد طلبات غير ملزمة، مما يشير إلى أن المذكرة لا تزال مسودة قيد التعديل.
معضلة هرمز تعطل الاتفاق
يمثل تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز الخطوة الأولى الأهم لكل من واشنطن وطهران وذلك بعد ثلاثة أشهر من الشلل الذي أصاب الممر المائي الحيوي وتسبب في قفزة حادة بأسعار النفط. ويصر ترامب على فتح المضيق فوراً ودون رسوم لحركة الشحن في الاتجاهين، على أن تتولى إيران إزالة الألغام، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن موانئها.
وتسعى إيران إلى ما تسميه "الإدارة الذكية للمضيق"، مؤكدة أن إجراءاتها الرقابية بالتعاون مع عمان دائمة وليست مؤقتة. ويمثل تزامن فتح الممر المائي مع إنهاء الحصار الأمريكي عقبة كأداء؛ إذ تؤكد القيادة المركزية الأمريكية أنها حوّلت مسار 115 سفينة تجارية لمنع حركة التجارة من وإلى إيران، وهو ما اعتبرته طهران دليلاً على عدم جدية واشنطن في التفاوض وسعيها لأهداف أخرى.
مصير الترسانة النووية
بمجرد توقيع واشنطن وطهران على المذكرة سيبدأ العد التنازلي لمهلة تفاوضية مدتها 60 يوماً لمعالجة ملف إيران النووي، وبخاصة مصير مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي يتجاوز 440 كيلوغراماً. وجدد ترامب خطوطه الحمراء مؤكداً أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً، مشيرًا إلى أن المخزونات الإيرانية المدفونة تحت الأرض سيتم تدميرها في عملية مشتركة، وهو ما نفته طهران سريعاً، مؤكدة رفضها نقل اليورانيوم إلى دولة ثالثة مثل روسيا أو الصين.
ولا يتوقع أن تغطي المذكرة الأولية تفاصيل برنامج التخصيب، حيث تتأرجح العروض بين تعليق طويل الأمد لـ 20 عاماً يطالب به ترامب، وفترة قصيرة تقترحها إيران.
طهران تطالب بالأموال المجمدة
يواجه الاقتصاد الإيراني أزمة عميقة وتصاعداً في معدلات البطالة، مما دفع المرشد الأعلى للحث على منح الأولوية لإعادة الإعمار والاستقرار المالي. وتطالب طهران بالإفراج الفوري عن مليارات الدولارات المجمدة، لكن واشنطن تشترط فتح مضيق هرمز بالكامل أولاً مؤكدة أنه لن يتم تداول أي أموال حتى إشعار آخر.
وتشير التقديرات إلى أنه في حال نجاح المفاوضات، قد يتم الإفراج عن أصول إيرانية بقيمة 24 مليار دولار، يُصرف نصفها فور إعلان الاتفاق. كما تدور نقاشات حول إنشاء صندوق استثماري دولي لإعادة الإعمار تتحمل دول الخليج كتلته الأساسية دون مشاركة أمريكية، علماً بأن طهران تقدر خسائر الحرب بنحو 270 مليار دولار نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
ويردد المسؤولون في واشنطن عبارة "لا أموال دون التخلص من اليورانيوم"، لربط رفع العقوبات بمدى استجابة طهران للمطالب النووية وفتح مضيق هرمز بشكل كامل. وفي المقابل، تتطلع إيران إلى إنهاء العقوبات المفروضة على مبيعات النفط، والتي قد تجني منها وحده نحو 10 مليارات دولار خلال فترة الـ 60 يوماً الانتقالية، مؤكدة أن التفاصيل التفاوضية سيتم حسمها بعد توقيع المذكرة.
جبهة لبنان وأزمة ثقة متبادلة
يبقى موقف الصراع بين إسرائيل وحزب الله في لبنان غامضاً في المذكرة؛ فبينما تطالب طهران بأن يشمل الاتفاق إنهاء الحرب على كافة الجبهات بما فيها لبنان، تواصل القوات الإسرائيلية توغلها البري ويستمر حزب الله في ضرباته الصاروخية، مما جعل التهدئة الحالية حبراً على ورق في ظل دعم إدارة ترامب الكامل لحرية التصرف الإسرائيلية ضد التهديدات الإقليمية.
وتخيم أزمة ثقة حادة بين واشنطن وطهران على أجواء اللقاءات؛ إذ يتهم المفاوضون الإيرانيون واشنطن باستهداف بلادهم عسكرياً مرتين خلال العام الماضي أثناء سير المحادثات. وأكد كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، أن الأفعال الميدانية المتبادلة هي المقياس الوحيد، مشدداً على أن طهران لن تتخذ أي خطوة قبل أن يبادر الطرف الآخر بالفع












