أعلنت الرئاسة اليمنية تنكيس أعلامها لمدة ثلاثة أيام، حدادًا على الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، الذي توفي صباح اليوم الخميس، عن عمر ناهز الثمانين عامًا.
وُلد هادي في سبتمبر 1945 بمديرية الوضيع في محافظة أبين، وارتبط اسمه بمسار طويل من التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها اليمن، منذ ما قبل الوحدة، مرورًا بقيام الجمهورية اليمنية عام 1990، وصولًا إلى واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا واضطرابًا في تاريخه الحديث.
انتقال سياسي جديد في عدن
نشأ هادي داخل المؤسسة العسكرية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة، وتدرّج في مواقع عسكرية وإدارية داخل الجنوب، قبل أن يغادر إلى الجمهورية العربية اليمنية عقب أحداث يناير 1986 في عدن، حين شهدت المدينة واحدة من أكثر محطاتها دموية وتحوّلًا سياسيًا.
ومع إعلان الوحدة عام 1990، دخل هادي مؤسسات الدولة الجديدة، ليُعيَّن لاحقًا وزيرًا للدفاع في مايو 1994 خلال حرب صيف 1994، قبل أن يتولى منصب نائب رئيس الجمهورية في العام نفسه، وهو موقع استمر فيه قرابة 18 عامًا إلى جانب الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
وخلال تلك المرحلة، ظل حضوره السياسي أقرب إلى الهدوء والابتعاد عن الصدامات المباشرة، وبقي ضمن دائرة السلطة دون أن يتصدر المشهد الإعلامي أو السياسي، مقارنةً بالرئيس صالح وشبكة النفوذ التي كانت تحيط بالحكم آنذاك.
"المبادرة الخليجية" غيرّت مسار السلطة
جاء التحول الكبير في مسيرته مع احتجاجات عام 2011 ضد نظام علي عبد الله صالح، والتي انتهت بتوقيع "المبادرة الخليجية" ونقل السلطة إليه بوصفه رئيسًا توافقيًا للمرحلة الانتقالية. وفي فبراير 2012، انتُخب رئيسًا للجمهورية في انتخابات توافقية بمرشح وحيد، بدعم إقليمي ودولي واسع.
منذ بداية ولايته، وجد هادي نفسه أمام مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الانقسامات العسكرية مع تصاعد نفوذ الحوثيين وتنظيم "القاعدة"، إلى جانب أزمة اقتصادية خانقة وبنية دولة مثقلة بالتراكمات. وفي محاولة لإعادة ترتيب المشهد، أطلق "مؤتمر الحوار الوطني الشامل" سعيًا إلى صياغة توافق سياسي بين القوى المختلفة.
من الحوثيين إلى الإقامة الجبرية
لكن المرحلة الانتقالية لم تلبث أن دخلت منعطفًا حادًا مع تمدد الحوثيين من صعدة باتجاه صنعاء، حيث سيطروا على العاصمة في 21 سبتمبر 2014، ووُضع هادي تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يغادر لاحقًا إلى عدن مطلع 2015.
ومع اتساع رقعة المواجهات، غادر اليمن إلى سلطنة عُمان ثم إلى الرياض في مارس 2015، بالتزامن مع انطلاق عملية "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
ومنذ ذلك الوقت، ظل هادي يمثل مرجعية السلطة الشرعية المعترف بها دوليًا، في ظل دعم أممي وإقليمي، رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها حكومته والانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وما رافق ذلك من تعقيدات سياسية وعسكرية متشابكة.
إرث سياسي لحرب ممتدة
وفي أبريل 2022، أعلن نقل صلاحياته إلى "مجلس القيادة الرئاسي" برئاسة رشاد العليمي وعضوية سبعة نواب، في خطوة أنهت فعليًا عقدًا كاملًا من رئاسته، وأعادت رسم بنية السلطة داخل معسكر الشرعية اليمنية.
بعد ذلك، ابتعد هادي عن المشهدين السياسي والإعلامي، واستقر في الرياض، وسط تقارير غير رسمية تحدثت عن تراجع حالته الصحية خلال السنوات الأخيرة، دون صدور إعلان رسمي يوضح تفاصيل وضعه الصحي.
وبحسب الرئاسة اليمنية، فإن هادي، الذي رحل اليوم الخميس، ظل حاضرًا في واحدة من أكثر مراحل اليمن حساسية؛ من التحول السياسي بعد 2011، إلى الحرب الممتدة التي ما تزال تداعياتها تلقي بظلالها على البلاد حتى اليوم، وسط تباين واسع في تقييم تجربته ودوره خلال تلك السنوات.













