تمثل السياسة الأمريكية تجاه تايوان والصين واحدة من أعقد الاختبارات اللفظية التي واجهت الرؤساء الأمريكيين على مدار 50 عامًا، حيث تحول هذا الملف إلى ما يشبه السير على حبل مشدود، فيمكن لأي زلة لسان بسيطة في توصيف موقف واشنطن الرسمي أن تطلق أجراس الإنذار الجيوسياسية العالمية.
وتستند هذه السياسة المعروفة بـ "سياسة الصين الواحدة" إلى توازن دقيق يقر بالموقف الصيني القائل بأن تايوان جزء من الصين، بينما يسمح في الوقت ذاته ببقاء علاقات غير رسمية بين الولايات المتحدة والجزيرة ذات الحكم الذاتي.
جوهر السياسة الأمريكية
وصممت هذه السياسة عمدًا لتتسم بالغموض الاستراتيجي، وهي الصيغة التي تلتزم واشنطن بموجبها بضمان امتلاك تايوان للموارد الكافية للدفاع عن نفسها ضد أي تغيير أحادي الجانب، لكنها تمتنع في الوقت نفسه عن تحديد مدى التدخل العسكري الذي قد تقدمه لمواجهة بكين. وفقا لوكالة "AP"
ولعل أبلغ تعبير عن هذا النهج هو ما قاله مساعد وزير الدفاع الأسبق، جوزيف ناي، لمسؤولين صينيين في التسعينيات، حين سئل عن رد الفعل الأمريكي المتوقع تجاه أي أزمة في تايوان، حيث أجاب بوضوح: "نحن لا نعرف، وأنتم لا تعرفون".
هذه السياسة المتوازنة بدقة لحماية أمن تايوان وسيادتها دون تقديم وعود مفرطة وفي الوقت نفسه دون إثارة حفيظة بكين، قد تُدفع مرة أخرى إلى دائرة الضوء خلال زيارة مرتقبة للرئيس دونالد ترامب لبكين خلال هذا الأسبوع، بعد تاريخ من الإخفاقات لبعض المسؤولين الأمريكيين في التعبير عن هذه السياسة، الأمر الذي تطلب تدخلات دبلوماسية عاجلة للتصحيح.
عثرات الرؤساء
فخلال 4 مناسبات مختلفة، كرر الرئيس السابق جو بايدن تلميحاته بشأن تدخل عسكري أمريكي مباشر في حال غزو الصين لتايوان، وهو ما اضطر مسؤولي إدارته في كل مرة إلى توضيح أن واشنطن لم تتخل عن عقود من الأعراف الدبلوماسية المتبعة.
ولم تكن إدارة دونالد ترامب الأولى بمنأى عن هذه العثرات، بدءًا من استقباله لمكالمة تهنئة من رئيسة تايوان في عام 2016، وصولاً إلى وقوع البيت الأبيض في خطأ بروتوكولي حين وصف الرئيس الصيني بأنه رئيس "جمهورية الصين"، وهو الاسم الرسمي لتايوان، بدلاً من "جمهورية الصين الشعبية ".
كما يرى بعض المستشارين أن هذه المفاهيم هي في الأصل "فخاخ فكرية" صينية، داعيًا إلى وضوح أكثر في الالتزام بالدفاع عن تايبيه.
ويعود أصل هذا الارتباك الدبلوماسي إلى جذور السياسة التي أرستها إدارة جيمي كارتر عام 1979؛ فمنذ ذلك الحين، ولد توتر مستمر بين النص الدبلوماسي والخيارات العسكرية المفتوحة، وهو ما عبّر عنه كارتر نفسه حين أوضح لاحقًا أن الاتفاقية لا تقيد يد أي رئيس مستقبلي عن خوض حرب لحماية الجزيرة.
هذا الإرث المزدوج جعل الرؤساء اللاحقين يتأرجحون في تعاملهم مع الملف بين الحذر الشديد والوقوع في الخطأ؛ ففي حين نجح رؤساء مثل جورج بوش الأب وباراك أوباما في الحفاظ على لغة هادئة تركز على الاستقرار، لم يخل نهج آخرين مثل بيل كلينتون وجورج بوش الابن من عثرات بروتوكولية وزلات لسان صريحة، استدعت تدخلات دبلوماسية فورية لإصلاح ما أفسدته الكلمات.
ويبقى القول الفصل في هذا الملف للمهنيين الذين تعاملوا مع كواليس وزارة الخارجية والبنتاغون، مثل جون كيربي، الذي يؤكد أن الحديث عن تايوان لا يحتمل الارتجال بأي حال من الأحوال، بل يتطلب العودة الدائمة إلى الملاحظات المكتوبة بدقة للحفاظ على توازن القوى العالمي.














