بعد سنوات من المعاناة والنقص الحاد في القوة البشرية، يشهد الجيش الكندي تحولًا جذريًا ومفاجئًا؛ فبعدما وصف قادته الوضع سابقًا بأنه "دوامة موت" تهدد قدرة البلاد على الدفاع عن نفسها، انقلبت الآية ليدخل الجيش في مرحلة من الازدهار في التجنيد هي الأكبر منذ عقود.
الجيش الكندي في "دوامة الموت"
لفترة طويلة، واجهت القوات المسلحة الكندية تحديات وجودية؛ حيث أدى نقص الميزانيات، وتقادم المعدات إلى تراجع الرغبة في الانضمام للخدمة العسكرية.. ووصل الأمر بالجنرال واين أير، رئيس هيئة أركان الدفاع السابق، إلى التحذير من أن القوات المسلحة في "دوامة الموت"، إذ يواجه أزمة نقص في المجندين قد تجعله غير قادر على مواجهة الأزمات المحلية والدولية.
ماذا بعد تصريح "الولاية الحادية والخمسون"؟
عقب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي وصف فيها كندا بأنها "الولاية الحادية والخمسون"، وهو ما اعتبره كثيرون تهديدًا لسيادة البلاد من أقرب حليف لها، لتوضح شارلوت دوفال لانتوين، الباحثة في المعهد الكندي للشؤون العالمية، أنه رغم احتمال وجود "تأثير ترامب" على التجنيد، فإن الطلبات بدأت بالارتفاع تدريجيًا منذ 2022 مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، مشيرةً إلى أن الشعور بعدم استقرار العالم يدفع عادةً لزيادة الإقبال على الخدمة العسكرية.
ولا تقتصر العوامل على الصراعات العالمية، إذ ساهم ارتفاع البطالة بين الشباب في كندا، التي بلغت نحو 14% في مارس، إضافةً إلى تحسين الرواتب والأمان الوظيفي، في تعزيز الإقبال، خاصةً بعد إعلان رئيس الوزراء مارك كارني أكبر زيادة في أجور العسكريين منذ عقود.
ومنذ توليه المنصب، جعل كارني الجيش محورًا لسياساته ضمن خطة "طموحة" لتحديث القوات وتوسيعها بسرعة، وفي مارس، أعلنت الحكومة تجاوز هدف الناتو بإنفاق 2% من الناتج المحلي على الدفاع لأول مرة منذ أواخر الثمانينيات، بما يزيد على 63 مليار دولار كندي، مع التزام جديد بالوصول إلى 5% بحلول 2035.
وجرى تحقيق هذا الهدف عبر زيادة الرواتب، وشراء معدات جديدة، وتحديث القواعد العسكرية، وبناء بنية تحتية في القطب الشمالي، ورغم هذا التقدم، يرى محللون أن الجيش الكندي لا يزال متأخرًا عن حلفائه، وأن تحويل التمويل إلى قدرات فعلية يحتاج وقتًا.
وقال ريتشارد شيموكا، الباحث في معهد ماكدونالد لورييه، إن كندا لا تستطيع حاليًا نشر سوى بضعة آلاف من الجنود وعدد محدود من الطائرات، مقارنةً بقدرة الجيش البريطاني على نشر نحو 10 آلاف جندي، معتبرًا أن الوضع في أدنى مستوياته، وأن التحسن قد يستغرق من 5 إلى 10 سنوات.
ويرجع ذلك، بحسب شيموكا، إلى الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة في الدفاع، وهو ما دفع مسؤولين أمريكيين لانتقاد كندا باعتبارها "متقاعسة"، ووصفها مايك جونسون عام 2024 بأنها "تركب على أكتاف أمريكا"، كما أشار دونالد ترامب إلى أنها من أقل دول الناتو مساهمة في الإنفاق الدفاعي، ورغم بلوغها هدف 2% من الناتج المحلي، لا تزال كندا ضمن أقل دول الناتو إنفاقًا مقارنة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا.
نقطة تحول للجيش الكندي
فجأة انضم للجيش الكندي أعدادًا لم يصادف لها مثيل منذ الثمانينات، إذ يرى الخبراء أن هذا "الطوفان" من المتقدمين الجدد لم يأتِ بمحض الصدفة، بل نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية واجتماعية.
بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة الإسكان، أصبح الاستقرار المادي والتأمين الصحي الشامل ودعم السكن، سببًا كافيًا للإقبال على الجيش، ودعم ذلك تبسيط عمليات التدقيق الأمني وتسريع وتيرة قبول الطلبات، والتي كانت تستغرق سابقًا سنوات، مما كان يدفع المتقدمين للبحث عن وظائف أخرى.
كذلك فتح الأبواب للمقيمين الدائمين وليس المواطنين فقط بالانضمام للجيش ساهم في تدفق آلاف الطلبات الجديدة من المهاجرين الذين يتطلعون لخدمة بلدهم الجديد وتأمين مستقبلهم، كما بذلت وزارة الدفاع جهوداً لتحديث ثقافة المؤسسة العسكرية لتصبح أكثر شمولًا ومواكبة لقيم المجتمع الكندي الحديث، ما ساهم في تحسين الصورة الذهنية عنها.
أزمة استيعاب
رغم أن زيادة أعداد المتقدمين تمثل خبرًا سارًا، إلا أنها وضعت الجيش أمام تحدٍ من نوع آخر وهو "القدرة الاستيعابية"، إذ تواجه مراكز التدريب والمدربون ضغطًا هائلًا للتعامل مع هذا العدد الكبير من المجندين الجدد، وضمان الحفاظ على جودة التدريب العسكري المعهودة.
مجندون لـ "حروب المستقبل"
وفي أبريل، أعلن الجيش تسجيل أكثر من 7000 مجند جديد خلال عام واحد، وهو الأعلى منذ 30 عامًا، لكن هذا الرقم لا يعكس حجم الاهتمام الحقيقي، إذ ارتفع عدد الطلبات من 21.700 إلى 40.116 خلال عام، بينما بلغ إجمالي الطلبات نحو 100 ألف، مقارنةً بـ36 ألفًا فقط بين 2019 و2020.
وقال ترافيس هاينز إن تقليل البيروقراطية كان العامل الأبرز في هذا التحسن، مع رقمنة إجراءات التقديم وإتاحة رفع المستندات إلكترونيًا، إضافة إلى فتح باب التجنيد أمام المقيمين الدائمين منذ 2022، الذين شكّلوا نحو 20% من المجندين الجدد.
وفي هذا السياق، تتجه كندا إلى توسيع كبير لقواتها المسلحة، عبر رفع عدد الجيش النظامي إلى 85.500 جندي، وقوة احتياط قد تصل إلى 300 ألف، لتختتم "دوفال لانتوين" حديثها قائلة إن هذا المستوى من التعبئة لم يُعتمد منذ 2004، ويعكس إدراكًا لتداعيات الحرب في أوكرانيا، التي صمدت بفضل قوتها البشرية، مشيرةً إلى أن كندا وحلفاءها يسعون للاستعداد لـ"حروب المستقبل" عبر استخلاص الدروس من الصراعات الحالية.













