بينما كانت أمواج مضيق هرمز تتهادى في سكونٍ نسبيٍّ غير معتاد، صباح أمس السبت، كانت أنظار العالم تتركز على نقطة واحدة تتحرك ببطء فوق سطح الماء، وهي ناقلة قطرية للغاز الطبيعي المسال تشق طريقها نحو باكستان، في مشهد لم يألفه الممر المائي الأكثر أهمية في العالم منذ تفجر الصراع الأخير.
ولا يعد هذا العبور مجرد رحلة تجارية روتينية، وإنما يمثل في الواقع بالون اختبار سياسي وافقت عليه طهران لبناء الثقة مع الوسطاء، في وقت تقف فيه القوى العظمى على حافة الهاوية.
ويعكس هذا المشهد التناقض الصارخ الذي يعيشه الشرق الأوسط اليوم، فبينما تسود حالة من الهدوء الميداني بعد أيام من المناوشات المتفرقة، لا تزال الفجوة الدبلوماسية بين واشنطن وطهران تتسع بشكل ينذر بالخطر، حيث يحبس العالم أنفاسه بانتظار رد إيراني على مقترحات واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير الماضي، وهي الحرب التي أعادت صياغة توازنات الطاقة العالمية ووضعت الاقتصاد الدولي في مهب الريح.
اختبار المياه وسط الألغام السياسية
تأتي رحلة الناقلة القطرية الحالية كأول عبور لسفينة غاز مسال من هذا النوع منذ بداية النزاع، وتكشف مصادر مطلعة أن هذه الخطوة حظيت بضوء أخضر إيراني في محاولة لتعزيز جسور الثقة مع قطر وباكستان، التي تؤدي دور الوسيط في هذه الأزمة المعقدة.
ومع توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين الأسبوع المقبل، يتصاعد الضغط الدولي لطي صفحة هذا الصراع الذي خنق إمدادات الطاقة، خاصة وأن هذا المضيق الضيق كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الشرارة الأولى.
وفي أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، يبدو الصبر آخذًا في النفاد، فقد صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بوضوح أن واشنطن توقعت ردًا من طهران «خلال ساعات»، غير أن تلك الساعات تحولت إلى أيام من الصمت المطبق، علمًا بأن المقترح الأمريكي يهدف بشكل أساسي إلى وضع نهاية رسمية للعمليات العسكرية قبل الانتقال إلى طاولة المفاوضات لمناقشة الملفات الأكثر تعقيدًا وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني.
ويضع هذا الصمت الإيراني الإدارة الأمريكية في موقف حرج، لا سيما مع استمرار المناوشات الميدانية التي تهدد بانهيار وقف إطلاق النار الهش الذي أُعلن في أبريل الماضي.
رهان الوقت وحسابات الاستخبارات
بينما يلوح ترامب بسلاح الحصار الاقتصادي، ظهرت معطيات جديدة قد تغير قواعد اللعبة تمامًا، إذ تشير تقييمات حديثة لوكالة الاستخبارات المركزية إلى أن إيران تمتلك القدرة على الصمود في وجه الحصار البحري الأمريكي لعدة أشهر إضافية قبل أن تنهار اقتصادياتها.
وهذا الكشف الذي حاول بعض المسؤولين التقليل من شأنه يثير تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية الضغوط الأمريكية الحالية، خاصة وأن الصراع لم يتوقف تمامًا في الميدان، فقد أعلنت الإمارات عن اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، كما استهدف الطيران الأمريكي سفنًا مرتبطة بطهران حاولت كسر الحصار عبر ضرب مداخنها وإجبارها على التراجع، مما يثبت أن الهدوء الحالي ليس سوى استراحة محارب.
أما على الصعيد الدولي، فتجد واشنطن نفسها في مواجهة تحديات من نوع آخر تتمثل في ضعف الدعم من حلفائها التقليديين، وقد وجه روبيو انتقادات مبطنة لدول مثل إيطاليا لعدم انخراطها بقوة في جهود تأمين الممر المائي، محذرًا من «سابقة خطيرة» إذا سُمح لطهران بالتحكم المطلق في المياه الدولية.
وفي غضون ذلك، بدأت بريطانيا تحركًا منفردًا عبر نشر سفينة حربية للتحضير لمهمة دولية محتملة لتأمين الملاحة، بينما تحاول ألمانيا تقريب وجهات النظر بين ضفتي الأطلسي.
وفي خضم هذا الضجيج الدبلوماسي، لم تتوقف واشنطن عن استخدام سلاح العقوبات، حيث استهدفت مؤخرًا شركات في الصين وهونج كونج متهمة بدعم برنامج المسيرات الإيرانية، مما يؤكد أن الضغط سيستمر حتى في ظل السعي للسلام.
وتظل الكلمات التي أطلقها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تختصر المشهد المعقد، عندما أوضح أن «في كل مرة يوضع فيها حل دبلوماسي على الطاولة، تختار الولايات المتحدة مغامرة عسكرية طائشة».
ومع استمرار إبحار الناقلة القطرية نحو وجهتها، يبقى السؤال معلقًا في أفق المضيق عما إذا كانت هذه السفينة ستكون بداية لتدفق السلام، أم أنها مجرد سكون عابر يسبق عاصفة أكبر.










