دفع حزب الله ثمناً باهظاً لدخوله الحرب مع إسرائيل في الثاني من مارس، حيث تكبد خسائر بشرية كبيرة وتعرضت مناطقه لنزوح واسع، فيما عززت إسرائيل وجودها العسكري داخل جنوب لبنان، وتشير تقديرات غير معلنة سابقاً إلى مقتل آلاف المقاتلين، إلى جانب تدمير واسع في القرى الحدودية، ما أعاد رسم ملامح المشهد الأمني والسياسي في البلاد.
لم تقتصر التداعيات على الجانب العسكري، بل امتدت إلى الداخل اللبناني، حيث تصاعدت الانتقادات لدور الحزب، واعتبره خصومه سبباً في إدخال البلاد في دورة جديدة من الصراع مع إسرائيل، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة.
تحولات سياسية وضغوط داخلية متصاعدة
في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، فتحت الحكومة اللبنانية قنوات تواصل مباشرة مع إسرائيل خلال أبريل، وهو ما قوبل برفض شديد من حزب الله، ويعكس هذا التطور حجم الضغوط التي تواجهها بيروت لإيجاد مخرج من التصعيد العسكري المستمر، خصوصاً مع استمرار الاشتباكات رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
ويؤكد مسؤولون لبنانيون أن هذه المحادثات، برعاية دولية، تمثل المسار الأكثر واقعية للوصول إلى تهدئة دائمة، في ظل توازنات إقليمية معقدة تجعل من الصعب فرض حلول أحادية.
رهان على إيران لتغيير المعادلة
رغم الخسائر، يرى عدد من مسؤولي حزب الله أن هناك فرصة لقلب الموازين من خلال الارتباط بالتحركات الإقليمية لإيران في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ويعتقد هؤلاء أن إدخال لبنان في حسابات التفاوض بين واشنطن وطهران قد يفضي إلى اتفاق أوسع يضمن وقفاً أكثر صلابة لإطلاق النار.
لكن هذا الرهان لا يخلو من المخاطر، خاصة مع إشارات أمريكية إلى أن أي تفاهم محتمل مع إيران قد لا يشمل الساحة اللبنانية، ما يترك مصير الجنوب معلقاً بين التصعيد والتهدئة المؤقتة.
خسائر بشرية كبيرة وصورة غير مكتملة
أعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل أكثر من 2600 شخص منذ اندلاع المواجهات، دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين، وفي المقابل، تشير مصادر إلى أن أعداد قتلى الحزب قد تكون أعلى بكثير، مع غياب إحصاءات دقيقة حتى الآن.
في مناطق الجنوب، تتزايد أعداد القبور الجديدة، بينما لا تزال جثث بعض المقاتلين مفقودة في مناطق المواجهة، في مشهد يعكس حجم الكلفة الإنسانية للحرب.
كما اضطر مئات الآلاف إلى مغادرة منازلهم، ما خلق توترات اجتماعية في مناطق الاستضافة، وأعاد طرح أسئلة حول كلفة الصراع داخلياً.
إسرائيل تعزز وجودها وتواصل الضغط
في المقابل، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، وتعمل على ترسيخ منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، بحجة حماية حدودها الشمالية من هجمات حزب الله، وتشير إلى أنها استهدفت بنية الحزب العسكرية وقتلت عدداً كبيراً من مقاتليه، فيما تتحدث عن استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من الجانب اللبناني.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أبريل، فإن الاشتباكات لم تتوقف بالكامل، ما جعل الهدنة تبدو هشة وغير مستقرة.
تحول في دور المؤسسات الأمنية
الحرب الأخيرة كشفت أيضاً عن تحول في طبيعة المواجهة، مع استخدام الحزب تكتيكات جديدة وطائرات مسيرة، بدعم إيراني، في محاولة لتعويض خسائره واستعادة قدرته الردعية.
في الوقت نفسه، أثار استمرار العمليات العسكرية تساؤلات حول مستقبل دور الحزب داخل الدولة اللبنانية، خاصة في ظل دعوات داخلية لنزع سلاحه أو إدماجه ضمن مؤسسات الدولة.
وتطرح المرحلة المقبلة تحديات معقدة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى ضبط التصعيد، بينما تلوّح إسرائيل بمواصلة عملياتها حتى القضاء على تهديد الحزب، وفي المقابل، ترفض قيادة الحزب أي حديث عن نزع سلاحها، معتبرة أن هذا الملف يجب أن يُناقش ضمن حوار وطني شامل.
ويحذر مراقبون من أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تعيد إشعال صراع داخلي، في بلد لا يزال يعاني من آثار حرب أهلية طويلة.
مستقبل غامض بين التسوية والتصعيد
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن لبنان يقف أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار تسوية أوسع، أو يستمر الوضع في حالة "اللاحرب واللاسلم" مع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة جديدة.
وفي جميع الأحوال، تبقى الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب الأخيرة عاملاً ضاغطاً على جميع الأطراف، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة لبنان على تحمل جولات إضافية من الصراع.
اقرأ أيضًا:
لبنان يتهم إسرائيل بارتكاب "إبادة بيئية"
الكشف عن كلفة الحرب الأمريكية في إيران لأول مرة
ولاية تلو الأخرى.. كيف يسعى ترامب للسيطرة على الانتخابات الأمريكية؟










