تترقب الأوساط السياسية المحادثات الحاسمة بين الولايات المتحدة وإيران، المقرر عقدها غدًا الجمعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، في محاولة لإنهاء حرب أسفرت عن مقتل آلاف وأثرت على استقرار المنطقة.
باكستان في قلب جهود الوساطة
ووفقًا لـ"CNN" تُمثل هذه المحادثات أول لقاء مباشر بين الطرفين منذ اندلاع النزاع، ما يضع باكستان في قلب جهود الوساطة الدولية. ويعكس هذا التحول الدور المتنامي لإسلام آباد على الساحة الدبلوماسية، بعد أن كانت تواجه انتقادات شديدة من إدارة الرئيس ترامب في بدايات ولايته بسبب مخاوف أمنية وعلاقات مضطربة.
ومن المنتظر حضور نائب الرئيس جيه دي فانس، إلى جانب المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر، مما يجعل فانس أعلى مسؤول أمريكي يزور باكستان منذ عام 2011.
ويشير المحللون إلى أن هذا الدور الجديد لباكستان جاء نتيجة تضافر عوامل جغرافية ودبلوماسية وتحولات في التحالفات الإقليمية، ما جعل من إسلام آباد وسيطًا محوريًا لا يمكن الاستغناء عنه في جهود خفض التصعيد بين واشنطن وطهران.
أكدت فروة عامر، مديرة مبادرات جنوب آسيا في معهد السياسة الآسيوية، أن نجاح باكستان في تحقيق هذا الاختراق الدبلوماسي في اللحظة الأخيرة يعزز من مصداقيتها الدولية. وأوضحت عامر أن الجهود الاستباقية التي بذلتها إسلام آباد في التيسير وضعت البلاد كلاعب فاعل، قادر على التأثير في مسار مستقبل المنطقة الأوسع.
باكستان تعيد رسم دورها الدبلوماسي
تصاعدت مكانة باكستان على الساحة الدولية بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، بعد أن كانت تُعتبر حتى العام الماضي شريكًا غير موثوق به للولايات المتحدة، مدعومة بدور مزدوج خلال الحرب في أفغانستان، حيث وُجهت إليها اتهامات بدعم حركة طالبان.
وزاد إحراج الجيش الباكستاني مقتل أسامة بن لادن على يد القوات الخاصة الأمريكية عام 2011، بعدما وُجد مختبئاً على بُعد نحو ميل واحد من الأكاديمية العسكرية في أبوت آباد، وهو ما أثار انتقادات واسعة من السياسيين الأمريكيين، بما فيهم ترامب الذي اتهم الجيش مراراً بإيواء زعيم تنظيم القاعدة.
خلال فترة إدارة جو بايدن، لم يُجر أي اتصال بين البيت الأبيض ورؤساء وزراء باكستان، ما جعل البلد يُنظر إليه وفق عالم السياسة عقيل شاه من جامعة جورجتاون، كـ"دولة منبوذة نوعاً ما"، دون مصلحة استراتيجية واضحة.
لكن مجئ ترامب في ولايته الثانية قلب موازين الدبلوماسية الأمريكية، وفتح المجال أمام باكستان لتبرز كلاعب مؤثر إذا كان لديها ما تقدمه. وأثارت مزاعم باكستان بامتلاك احتياطيات هائلة من المعادن النادرة والحرجة التي تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات اهتمام واشنطن، فيما سارعت إسلام آباد بعد نزاع قصير مع الهند إلى الإشادة بجهود ترامب في خفض التصعيد.
وأكد فهد همايون، الأستاذ المساعد في جامعة تافتس، أن باكستان كانت تسعى بجد لتوسيع علاقاتها مع واشنطن، مضيفاً أنها خرجت من النزاع مع الهند "أكثر ضبطاً للنفس" بعد اعترافها العلني بدور ترامب في تخفيف حدة التوترات.
ومنذ ذلك الحين، أبرمت باكستان صفقات حول المعادن النادرة، ورشحت ترامب لجائزة نوبل للسلام، وانضمّت إلى مجلسه للسلام، فيما وصف الرئيس قائد الجيش الباكستاني عاصم منير بأنه "قائده الميداني المفضل"، مع إبراز أدوار كبار مسؤولي إسلام آباد خلال إعلان وقف إطلاق النار.
مصالح باكستان من إنهاء الحرب
لدى باكستان أسبابها الوطنية لإنهاء الحرب، إذ تأثرت بأزمة الطاقة الناجمة عن سيطرة إيران على مضيق هرمز، في ظل اعتمادها الكبير على نفط وغاز الشرق الأوسط.
وقال همايون: "أعتقد أن باكستان كانت لها مصالح هائلة، ربما أكثر من أي دولة أخرى شرق إيران في هذا الصراع تحديداً. والأمر الآخر الذي يجب أخذه في الاعتبار هو أن باكستان لم تكن جزءاً من التحالف المناهض لإيران الذي بدأ يتشكل".
وتتمتع باكستان بموقع جيوسياسي حساس، إذ تشترك مع إيران في حدود تمتد لنحو 900 كيلومتر، تشهد توترات متكررة، في ظل امتداد الروابط الاجتماعية بين البلوش على جانبي الحدود، والذين أبدوا تاريخياً استياءً من سياسات الحكومتين في طهران وإسلام آباد. كما تحتضن باكستان واحدة من أكبر التجمعات الشيعية خارج إيران.
كما أن باكستان لا تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، ولم تتعرض لهجمات إيرانية بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، في حين سمحت طهران للسفن الباكستانية بتجاوز القيود المفروضة في مضيق هرمز.
هذا الوضع منح إسلام آباد موقعاً استثنائياً، حيث أشار عامر من معهد سياسات جمعية آسيا إلى أن باكستان نجحت في الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من إيران والولايات المتحدة.
قبل أيام من انطلاق المحادثات المرتقبة في إسلام آباد، شددت السلطات الباكستانية الإجراءات الأمنية في العاصمة بشكل ملحوظ، في إطار الاستعداد لاستضافة لقاءات توصف بالحاسمة.
وفي وقت يعمل فيه المسؤولون على تهيئة الأجواء لإنجاح المفاوضات، تواجه الهدنة المعلنة تحديات مبكرة. فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاك إسرائيلي لوقف إطلاق النار في لبنان أسفر عن سقوط أكثر من 180 قتيلاً.
من جانبها، أدانت باكستان التصعيد الإسرائيلي، حيث أكد رئيس الوزراء شهباز شريف أن هذه العمليات تقوض الجهود الدولية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة.
اقرـأ أيضًا :
تراجع تهديدات ترامب تجاه إيران.. هل يكشف حدود نفوذه؟
هدنة إيران تتعثّر.. وترامب يلوّح بعودة القتال
الكونغرس الأمريكي يتحرك لتقييد صلاحيات ترامب العسكرية تجاه إيران











