يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى إنشاء قاعدة بيانات ضخمة للناخبين الأمريكيين، في خطوة أثارت تحذيرات واسعة من مسؤولي الانتخابات وخبراء القانون. ويخشى المسؤولون أن تُستخدم هذه البيانات لمنع المواطنين المؤهلين من التصويت، وإثارة شكوك حول نزاهة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.
وتأتي هذه الجهود في سياق تصعيد إدارة ترامب حملتها ضد ما وصفته بعمليات تزوير الانتخابات، بما يشمل البحث عن ناخبين غير مواطنين مشتبه بهم، وتكثيف المراجعة للبيانات الانتخابية تحت شعار "نزاهة الانتخابات".
تصعيد الإدارة وخطوات جديدة
وشهدت الفترة الأخيرة تصعيداً شمل إصدار أمر تنفيذي يركز على بيانات الجنسية والاقتراع عبر البريد، وتعيين مدعٍ عام أمريكي يتمتع بصلاحيات موسعة للتعامل مع قضايا الانتخابات، ورفع سلسلة من الدعاوى القضائية ضد الولايات التي رفضت تسليم سجلات الناخبين غير المنقحة طواعية.
وأثار هذا التصعيد تحذيرات من النقاد الذين يعتبرون أن جمع كميات هائلة من البيانات الحساسة يمكن أن يُستغل لمنع المواطنين المؤهلين من التصويت، وخلق شكوك جديدة حول شرعية الانتخابات المقبلة.
وتوصلت وزارة العدل الأمريكية إلى اتفاق نهائي مع وزارة الأمن الداخلي لتزويد الأخيرة ببيانات حساسة عن سجلات الناخبين، والتي طالبت بها الإدارة من الولايات للتحقق منها مقابل برنامج التحقق من الجنسية، الذي تعرض لانتقادات واسعة بسبب عدم دقته.
وطرح مسؤولو ترامب الأسبوع الماضي تكتيك ضغط محتمل جديد على الولايات التي رفضت تسليم قوائم الناخبين الكاملة، من خلال ربط مئات الملايين من الدولارات من منح الأمن الداخلي بمشاركة بيانات الناخبين، ما يلزم الولايات بتشغيل سجلات التسجيل الخاصة بها من خلال نظام سجلات الهجرة الفيدرالي، أو مواجهة خطر فقدان التمويل.
كما طرحت هيذر هاني، الشخصية المتشككة في الانتخابات التي تم تعيينها في وزارة الأمن الداخلي للعمل على "نزاهة الانتخابات"، الفكرة خلال مكالمة مع قادة وكالة الطوارئ الفيدرالية (FEMA)، وفقًا لثلاثة مصادر مطلعة. وحتى يوم الجمعة، لم يتم تنفيذ الفكرة. وفي العام الماضي، أضافت FEMA شرطًا يلزم الولايات بإنفاق ما لا يقل عن 3% من المنح على تعزيز أمن الانتخابات.
وعلى مدى أشهر، حاولت وزارة العدل طمأنة المحاكم بأن الإدارة لا تسعى إلى إنشاء قائمة تسجيل ناخبين وطنية من خلال مطالبة الولايات بتقديم بيانات حساسة عن الناخبين. ومع ذلك، يوم الثلاثاء، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا يركز على بيانات الجنسية والاقتراع عبر البريد، في تناقض مع نص الدستور الذي ينص على أن الولايات، وليس الحكومة الفيدرالية، هي الجهة المسؤولة عن إدارة الانتخابات.
في اليوم نفسه، أعلنت المدعية العامة بام بوندي عن تعيين دان بيشوب، كبير المدعين الفيدراليين للمنطقة الوسطى في ولاية كارولاينا الشمالية، والذي سبق له التشكيك في هزيمة ترامب في انتخابات 2020، للعمل على قضايا الانتخابات، بما يشمل فحص سجلات الناخبين للبحث عن ناخبين غير مواطنين.
استخدام البيانات "لسرد قصة معينة"
رفعت الإدارة دعاوى قضائية ضد 30 ولاية ومقاطعة كولومبيا لرفضها تقديم قوائم الناخبين غير المنقحة. وخلال جلسة استماع في 26 مارس، أقر محامٍ من وزارة العدل أن هدف الحصول على البيانات السرية هو السماح لوزارة الأمن الداخلي بفحص القوائم بحثًا عن أسماء غير مؤهلة. وأظهر برنامج التحقق من الجنسية التابع لوزارة الأمن الداخلي أعدادًا مبالغًا فيها من غير المواطنين المحتملين، مما يثير مخاوف من استخدام البيانات لصياغة روايات زائفة حول التصويت.
وقالت إليزابيث فروست، رئيسة قسم التقاضي في مجموعة إلياس القانونية: "تكمن المشكلة في البيانات في إمكانية إيجاد طرق لتزييفها وتلفيق قصة معينة. فإذا لم تكن أساليب فرز البيانات شفافة تمامًا، يمكن تقديم رواية زائفة بالكامل". ومنذ عودته إلى منصبه، يواصل ترامب الادعاء بأن الانتخابات الأمريكية تشهد تزويرًا، بما في ذلك تصويت أعداد كبيرة من غير المواطنين. وقد كلف جهات مختلفة بالبحث عن أدلة على تورط الأجانب في التلاعب بالنتائج.
ويواجه غير المواطنون خطر الملاحقة القضائية والترحيل في حال تصويتهم، ويطلب من جميع الناخبين في الانتخابات الفيدرالية التوقيع على إقرارات قانونية تؤكد جنسيتهم. كما دعا ترامب الحكومة الفيدرالية إلى "السيطرة" على التصويت و"تأميم" العملية الانتخابية في بعض المناطق، في وقت أبدى فيه الجمهوريون رفضهم لتغيير قواعد المماطلة في مجلس الشيوخ لتمرير قانون إنقاذ أمريكا، الذي يهدف إلى إدخال تغييرات جذرية على الانتخابات.
المعارضة القضائية
سارع الديمقراطيون والمدافعون عن حقوق الإنسان ومسؤولو الولايات إلى رفع دعاوى قضائية لمنع توجيهات ترامب في المحكمة، ويتوقع خبراء الانتخابات أن تمنعها المحاكم، تمامًا كما أوقفوا أجزاء كبيرة من أمره التنفيذي لانتخابات عام 2025 الذي يسعى إلى فرض متطلبات جديدة للتحقق من الجنسية.
ودافع البيت الأبيض عن جهود وزارة العدل، وقالت المتحدثة أبيجيل جاكسون: "لطالما كانت نزاهة الانتخابات على رأس أولويات الرئيس ترامب، وسيبذل الرئيس قصارى جهده لضمان مشاركة المواطنين الأمريكيين فقط في التصويت". ويشير الأمر التنفيذي الجديد إلى رغبة ترامب في أن تتحكم الإدارة الفيدرالية في تحديد من يحصل على بطاقة الاقتراع، من خلال إنشاء قوائم المواطنة لكل ولاية باستخدام سجلات المواطنة والتجنيس وبيانات الضمان الاجتماعي وقواعد البيانات الفيدرالية.
لكن خبراء الانتخابات يؤكدون أن الحكومة الفيدرالية لا تملك الأدوات أو الصلاحيات القانونية لإنشاء قائمة كاملة بالناخبين المؤهلين. كما أظهرت محاولات استخدام بيانات الهجرة للتحقق من أهلية الناخبين أخطاءً كبيرة، حيث صنفت بعض المواطنين بشكل خاطئ كغير مواطنين بسبب البيانات القديمة أو عدم تسجيل تاريخ حصولهم على الجنسية.
وفي العام الماضي، أجرت إدارة ترامب تعديلات سرية على برنامج SAVE، الذي كان يُستخدم تاريخيًا للتحقق من استحقاقات المساعدات العامة، ليصبح أداة للولايات للتحقق من ناخبين محتملين غير مواطنين. وربطت التعديلات سجلات الهجرة بسجلات الضمان الاجتماعي ومعلومات جوازات السفر، ما أثار معارضة واسعة من مسؤولي الولايات.
وأشارت مسؤولة برنامج تسجيل الناخبين في مقاطعة ترافيس، سيليا إسرائيل، إلى أن النظام أوقع بعض المواطنين في فخ تصنيفهم على أنهم غير مواطنين رغم تقديمهم وثائق تثبت جنسيتهم، مؤكدة: "يجب أن يكون كل من هو مسجل في قاعدة بيانات الناخبين ناخبًا صالحًا وقانونيًا، لكن قاعدة بيانات SAVE أداة غير مثالية لمساعدتنا في تحقيق ذلك."
وتم رفع دعاوى ضد ولاية تكساس في 26 مارس، بزعم أن استخدام النظام الفيدرالي "غير المكتمل" أدى إلى شطب غير قانوني لمواطنين من قوائم الناخبين. كما رفعت وزارة العدل دعوى ضد ولاية أيداهو للحصول على بياناتها، في حين رفض المسؤولون المحليون مشاركة المعلومات الحساسة خوفًا من الانتهاك الواضح للخصوصية وسوء استخدام البيانات.
مراجعة سجلات الناخبين
عين ترامب شخصيات متشككة في الانتخابات لإدارة مراجعات بيانات سجلات الناخبين، بما في ذلك هارميت ديلون، التي كشفت عن أكثر من 300 ألف شخص متوفى وعشرات الآلاف من غير المواطنين المحتملين ضمن 50–60 مليون سجل ناخب. وزارة العدل أكدت أن البيانات التي حصلت عليها من الولايات لم تُشارك بعد مع أي جهة أخرى، رغم الاتفاق النهائي مع وزارة الأمن الداخلي.
ومنذ أبريل 2025، استخدمت الولايات نظام SAVE المُعدّل بشكل مستقل للتحقق من سجلاتها، حيث رصد النظام 21 ألف شخص يحتمل أنهم ليسوا مواطنين من بين 60 مليون اسم، أي بنسبة 0.00035%. وأكدت وزارة الأمن الداخلي أن الولايات ملتزمة بالتحقق من هؤلاء قبل اتخاذ أي إجراءات شطب.
وحذر وزراء خارجية ديمقراطيون من إمكانية استخدام نتائج استعلامات سجل الناخبين لإلغاء تسجيل مرشحين ديمقراطيين أو إثارة نزاعات قانونية قبل الانتخابات، مما يضع الولايات أمام خيارين صعبين، إما اتخاذ خطوات سريعة للتحقق من جميع الأشخاص الذين صنفهم النظام على أنهم غير مواطنين، أو رفض الطلب والتعرض لضغوط سياسية وقانونية من الإدارة الفيدرالية.
ويشكك ترامب وحلفاؤه الجمهوريون في سبب امتناع مسؤولي الانتخابات عن نشر قوائم الناخبين، مدعين أن الديمقراطيين يريدون السماح لغير المواطنين بالتصويت، وهو ما يزيد من حدة التوتر بين الحكومة الفيدرالية والولايات. أكد مسؤولو الولايات أن قوانينهم تحمي المعلومات السرية للمواطنين، وأن مشاركة البيانات الحساسة قد تؤدي إلى سوء استخدام، كما حدث سابقًا حين شارك موظف في وزارة العدل بيانات الضمان الاجتماعي مع جهة سياسية غير معلنة للطعن في نتائج الانتخابات.
اقرأ أيضًا:
ترامب يُمهل إيران 48 ساعة: " افتحوا المضيق وإلا ستعيشون في جحيم"
إيران تتلقى مقترحًا أمريكيًا من 15 بندًا لوقف إطلاق النار
شعبية ترامب تتراجع وسط تصعيد الحرب مع إيران













