أثار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، جدلًا جديدًا حول مستقبل مشاركة الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكدًا أنه يدرس بجدية الانسحاب من التحالف العسكري الغربي بسبب تحفظات الحلفاء الأوروبيين عن الانخراط المباشر في الحرب مع إيران.
وفي تصريحات أدلى بها ترامب لصحيفة التلغراف البريطانية، وصف الحلف بـأنه "نمر من ورق"، مشيرًا إلى أنه لم يشعر أبدًا بالالتزام تجاهه، مضيفًا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك هذا الواقع أيضًا.
وأعاد ترامب إلى الأذهان تحذيره للحلفاء الأوروبيين في منتصف مارس، من مستقبل "سيئ للغاية" إذا لم يقدموا دعمًا لجهود تأمين مضيق هرمز الحيوي. لكن ردود الدول الأوروبية جاءت متحفظة، ورفضت إرسال سفن حربية إلى الممر المائي الاستراتيجي. وأكد ترامب أن موقفه كان بمثابة "اختبار" لجدية التزام الحلفاء، قائلًا إن الولايات المتحدة كانت دائمًا موجودة لدعمهم، كما حدث في أوكرانيا، بينما لم يقفوا هم إلى جانب واشنطن عندما تطلب الأمر.
وخلال تصريحاته، انتقد ترامب المملكة المتحدة بشكل خاص، موجهًا انتقادات علنية لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لرفضه المشاركة في العمليات العسكرية الإيرانية، معتبرًا أن قدرات البحرية البريطانية "لم تعد فعالة" وأن البلاد تواجه تحديات كبيرة في إدارة أسطولها وحاملات طائراتها. وأوضح ترامب أنه لن يوجه ستارمر في قرارات الدفاع، واعتبر أن السياسات البريطانية الحالية بشأن الطاقة تعتبر "مكلفة وغير عملية".
من جهته، دافع ستارمر عن موقفه في مؤتمر صحفي صباح الأربعاء، مؤكدًا أن أي قرار تتخذه المملكة المتحدة يهدف إلى حماية مصالحها الوطنية، وأن البلاد لن تنجر إلى حرب ليست من صلب مصالحها. وأكد التزام المملكة المتحدة الكامل بحلف الناتو، مشددًا على أن التحالف العسكري لا يزال يشكل أساسًا لأمن أوروبا.
وفي الوقت نفسه، تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات لإنهاء الحرب، رغم تباين التقييمات حول مدى التقدم في هذه المفاوضات. ونشر ترامب تصريحات عبر منصة "تروث سوشيال" أكد فيها أن إيران طلبت وقف إطلاق النار، لكنه ربط أي اتفاق بفتح مضيق هرمز، محذرًا من أن الولايات المتحدة ستواصل الضربات العسكرية حتى تحقق أهدافها.
وتعكس تصريحات ترامب الأخيرة أيضًا مواقف بعض المسؤولين في إدارته. فقد قال وزير الخارجية ماركو روبيو في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، إن الولايات المتحدة قد تضطر لإعادة تقييم علاقتها بالناتو بعد انتهاء الحرب، مستشهدًا بكون الحلف أصبح في نظره "اتجاهًا أحادي الجانب"، حيث تتحمل أمريكا العبء الدفاعي الأكبر عندما تكون أوروبا مهددة، بينما يفتقر بعض الحلفاء إلى التزام مماثل تجاه الولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته، أعرب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، عن إحباطه تجاه عدم استعداد بعض الحلفاء لتقديم الدعم اللازم، مشيرًا إلى أن أي تحالف حقيقي يتطلب استعداد الأطراف للوقوف إلى جانب بعضهم في أوقات الحاجة.
تاريخ الناتو وعضوية الولايات المتحدة
تأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949 بمشاركة 12 دولة، بينها الولايات المتحدة، بهدف مواجهة التهديدات السوفيتية، وضمان التكامل السياسي في أوروبا، وتعزيز الردع العسكري. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحلف يشمل حاليًا 32 دولة، ويستند إلى معاهدة واشنطن التي تضمنت 14 مادة أساسية، لا تزال تشكل الإطار القانوني للتحالف.
وخلال فترة رئاسته الأولى، وأثناء الأشهر الأولى من ولايته الثانية، عبّر ترامب عن استيائه من مساهمة الحلفاء في النفقات الدفاعية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر في التمويل العسكري. في قمة لاهاي عام 2025، التزم الحلفاء بزيادة استثماراتهم الدفاعية بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، وهو ما وصفه ترامب بأنه "انتصار كبير".
الإطار القانوني للانسحاب المحتمل
من الناحية القانونية، يظل الانسحاب الأمريكي من الناتو قضية معقدة. وفقاً لإيلاريا دي جويا، أستاذة القانون الأمريكي في جامعة برمنغهام سيتي، فإن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2024 يضع قيودًا على قدرة الرئيس على الانسحاب دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ أو تشريع من الكونغرس. لكنها أشارت إلى أن الرئيس قد يحاول التحايل على هذه القيود بالاعتماد على سلطاته في السياسة الخارجية.
كذلك أشار كورتيس برادلي، أستاذ القانون بجامعة شيكاغو، إلى سوابق تاريخية لانسحاب الولايات المتحدة من معاهدات دولية، لكنه أكد أن أي محاولة لسحب العضوية من الناتو ستكون صعبة للغاية وتثير جدلًا دستوريًا واسعًا. وأضاف أن أي خطوة من هذا النوع قد تؤدي إلى دعاوى قانونية من متعاقدين أو أطراف تتأثر اقتصاديًا بالانسحاب، مما يعقد الوضع أكثر.
ويؤكد الخبراء أن مجرد الحديث عن الانسحاب يضعف الثقة في التحالف ويقلل من مصداقية الدفاع الجماعي، مشيرين إلى أن ترامب، من خلال تصريحاته المتكررة، يعرض الردع الأوروبي للخطر ويزعزع الخطط الأمنية للحلفاء، في حين يرى آخرون أن الانسحاب الفعلي سيكون نادر الحدوث، لكن التوترات مع الناتو ستستمر بشكل مستمر.
اقرأ أيضًا:
انسحاب ترامب من الحرب قد يترك آثارًا كبيرة على الحلفاء
واشنطن تعلن استعدادها لمواجهة تهديدات إيران للشركات الأمريكية
العملية البرية قريبة.. الجيش الأمريكي يدفع بقوات النخبة إلى المنطقة













