يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتجه نحو إنهاء الحرب الجارية، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن كلفة هذا القرار قد تمتد إلى ما هو أبعد من الولايات المتحدة، لتطال حلفاءها والاقتصاد العالمي.
وأبلغ الرئيس الأمريكي شركاء بلاده الأوروبيين، الذين امتنعوا عن الانخراط في العمليات ضد إيران بسبب غياب التنسيق المسبق واعتبارات قانونية، أنهم سيتحملون تبعات موقفهم. وجاء ذلك بالتزامن مع تصعيد في لهجة الخطاب الأمريكي تجاه الحلفاء.
وكتب ترامب عبر منصة تروث سوشيال دعوة مباشرة للدول إلى تأمين احتياجاتها النفطية بشكل مستقل، في وقت نقلت فيه مصادر لشبكة CNN أن الإدارة الأمريكية لا تستطيع التعهد بإعادة فتح وتأمين الملاحة في مضيق هرمز قبل إعلان انتهاء المهمة العسكرية. ولاحقًا، قدّر ترامب أن العمليات قد تنتهي خلال أسبوعين إلى ثلاثة، مؤكدًا أن بلاده لن تنخرط في أي تصعيد داخل المضيق.
في المقابل، عززت إيران موقعها عند مدخل الخليج العربي، مستفيدة من سيطرتها على نقطة الاختناق في مضيق هرمز لتعطيل تدفقات النفط، ما أدى إلى ضغوط مباشرة على الأسواق العالمية. وتشير التقديرات إلى أن تثبيت هذه السيطرة سيمنح طهران مكسبًا استراتيجيًا واسع النطاق.
إعداد رواية "النجاح" في الحرب
بالتوازي، بدأت الإدارة الأمريكية في إعادة صياغة رواية “النجاح” المرتبطة بالحرب. فقد أعلن وزير الدفاع بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة حققت تغييرًا في طبيعة النظام الإيراني، رغم استمرار السلطة الحالية في طهران، في خطوة تُفسَّر على أنها تمهيد سياسي لإنهاء العمليات دون معالجة آثارها الميدانية.
وتعكس هذه التصريحات حجم الضغوط التي تواجهها واشنطن بعد أكثر من شهر على اندلاع الحرب، خاصة مع وجود تقديرات داخلية بضرورة حسمها خلال فترة زمنية محدودة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع. كما تأتي في ظل حديث ترامب عن وجود محادثات “مثمرة” مع إيران، وهو ما تنفيه طهران، وسط غياب أي مؤشرات علنية على تقدم دبلوماسي.
وتحذر دوائر سياسية من أن انتهاء الحرب مع بقاء المضيق تحت السيطرة الإيرانية سيُعد هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة. ومن المرجح في هذه الحالة أن تعلن طهران النصر، وأن تتحرك لتعزيز قدراتها الردعية، مع إمكانية فرض رسوم على مرور ناقلات النفط، بما يوفر لها مصادر تمويل لإعادة بناء برامجها العسكرية، بما في ذلك الصاروخية والنووية.
ويرى مراقبون أن خيار الانسحاب قد يكون الأقل كلفة بالنسبة لترامب مقارنة بمواصلة العمليات العسكرية، التي قد تؤدي إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة، فضلًا عن إطالة أمد الصراع وتأثير ذلك على وضعه السياسي الداخلي.غير أن هذا التوجه يضع واشنطن أمام تداعيات يصعب احتواؤها. فالانسحاب المحتمل يتماشى مع نهج “أمريكا أولًا”، لكنه يفاقم التوتر مع حلفاء الناتو، في ظل اتهامات متكررة لهم بالاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية دون تحمل أعباء كافية.
واقتصاديًا، لا تبدو الولايات المتحدة بمنأى عن التداعيات. وأكدت روزماري كيلانيك أن طبيعة سوق النفط العالمية تجعل أي اضطراب في الإمدادات ينعكس مباشرة على الأسعار، ما يعني أن المستهلكين داخل الولايات المتحدة سيتأثرون رغم كونها منتجًا رئيسيًا للطاقة. وتشير التقديرات إلى أن استمرار الأزمة قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود، مع احتمالات انتقال تداعياته إلى الداخل الأمريكي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
تعزيز التحالفات الأوروبية
وعلى مستوى التحالفات، تثير الأزمة مخاوف من اتساع الفجوة بين ضفتي الأطلسي. وتتصاعد داخل أوروبا دعوات لتعزيز القدرات الدفاعية، في ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمريكية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق، تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن دور متزايد لما وصفه بـ”القوى المتوسطة”.
كما زادت تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، التي انتقد فيها موقف الحلفاء من الحرب، من حدة التوتر، مع تلميحات بإمكانية إعادة تقييم الالتزامات الأمريكية تجاههم. وفي الميدان السياسي الأوروبي، تجد الحكومات نفسها أمام معادلة صعبة. فقد امتنعت بعض الدول، مثل بريطانيا، عن السماح باستخدام قواعدها في العمليات، بينما تبنت دول أخرى، مثل إسبانيا، مواقف أكثر تشددًا، ما دفع ترامب إلى توجيه انتقادات حادة وتهديدات بإجراءات اقتصادية.
ورغم عدم مشاركتهم المباشرة في الحرب، يواجه الأوروبيون تداعياتها بشكل متسارع، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد معدلات التضخم، ما يضغط على الاقتصادات ويهدد الاستقرار السياسي، في ظل تنامي السخط الشعبي. كما تتصاعد المخاوف من موجات لجوء جديدة في حال تدهور الأوضاع داخل إيران.
وعسكريًا، كشفت الأزمة عن فجوات في القدرات الأوروبية، حيث استغرق نشر وحدات بحرية وقتًا أطول من المتوقع، بينما تبقى القدرة على تأمين مضيق هرمز دون دعم أمريكي محدودة للغاية، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية.
في المقابل، لا يستبعد مراقبون أن تكون مواقف ترامب جزءًا من استراتيجية ضغط لدفع دول أخرى، خصوصًا في آسيا، إلى تحمل دور أكبر في حماية الملاحة الدولية. وقد أشار ماركو روبيو إلى أن الدول الأكثر استفادة من استقرار الإمدادات النفطية مطالبة بالمساهمة بشكل أكبر في تأمينها.
ورغم تعقيد المشهد، لا تزال هناك محاولات لتفادي تصعيد طويل الأمد. فقد أبدت فرنسا استعدادها للمشاركة في جهود دولية لتأمين الملاحة، مستفيدة من قدراتها في مجالات مثل إزالة الألغام البحرية، لكن ذلك يبقى مشروطًا بوقف العمليات العسكرية.
في المحصلة، تتجه الأزمة نحو مرحلة مفصلية، مع غياب حلول واضحة ترضي جميع الأطراف. وبينما تسعى واشنطن إلى تقليص انخراطها، يجد الحلفاء أنفسهم أمام واقع جديد يفرض إعادة حساباتهم الاستراتيجية، في وقت تمتد فيه تداعيات القرارات الأمريكية لتؤثر على نطاق عالمي واسع، يشمل دولًا وشعوبًا لم تكن طرفًا مباشرًا في الصراع.
اقرأ أيضًا:
اعتراض أوروبي يعرقل عمليات أمريكية في حرب إيران
واشنطن تعلن استعدادها لمواجهة تهديدات إيران للشركات الأمريكية











