في خطوة واضحة لتعميق سيطرتها على جارتها الشمالية، كثفت الصين تواصلها مع كوريا الشمالية، وسط تساؤلات حول مدى استعداد زعيم بيونغ يانغ، كيم جونغ أون، للاستجابة لهذه المبادرات. وتم اعتبار زيارة كيم الأخيرة لبكين في سبتمبر الماضي، حيث حضر عرضًا عسكريًا مصحوبًا بفريق اقتصادي رفيع المستوى لمناقشة فرص الاستثمار والتجارة، مؤشرًا على تحسن العلاقات بعد سنوات من التوتر.
واستمر تبادل الزيارات، إذ زار رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ بيونغ يانغ بعد خمسة أسابيع، وأعلن السفير الصيني أن البلدين "يبدآن صفحة جديدة" في علاقاتهما. ويتضح الهدف الصيني من هذه الخطوات في تعزيز نفوذها على كوريا الشمالية، التي قربت علاقاتها مؤخرًا من روسيا بعد غزوها لأوكرانيا عام 2022، حيث قدمت بيونغ يانغ دعمًا عسكريًا لموسكو مقابل الوقود والغذاء لتعويض تأثير العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي.
وكشف تحقيق أجرته وكالة رويترز أن الصين تعمل على ترسيخ حضورها الاقتصادي والحدودي في كوريا الشمالية، مع استعداد الولايات المتحدة لإحياء المفاوضات مع كيم لأول مرة منذ 2019. وتُظهر صور الأقمار الصناعية قيام بكين وبيونغ يانغ بتطوير بنية تحتية جديدة على طول الحدود، بما في ذلك الطرق والموانئ، لتعزيز التجارة وتأمين النفوذ الصيني على أي جهود أمريكية مستقبلية.
وتضمن التحقيق مراجعة بيانات التجارة وزيارة طول الحدود الممتدة على نحو 1350 كيلومترًا، إلى جانب مقابلات مع نحو ثلاثين شخصًا من بينهم مسؤولون صينيون، ورجال أعمال، وموظفون كوريون شماليون، وسياح غربيون، معظمهم فضلوا عدم الكشف عن هويتهم بسبب حساسية الموضوع.
تقارب حذر وإشارات لإعادة فتح الحدود
رغم الجهود الصينية، تبقى كوريا الشمالية متحفظة، إذ أغلقت حدودها منذ 2020 بسبب جائحة كوفيد-19، ولا تزال السياحة محدودة إلى حد كبير، حتى مع استئناف خدمات قطارات الركاب بين الصين وكوريا الشمالية مؤخرًا. توجه كيم نحو روسيا في السنوات الأخيرة سمح له بتنويع شركائه السياسيين والاقتصاديين، لكن التعاون المتزايد مع الصين يهيئ الأرض لإعادة فتح تدريجية، بحسب محللين يرون أن ذلك يمنح بكين نفوذًا اقتصاديًا واستراتيجيًا على بيونغ يانغ، ويُرسل إشارة إلى الولايات المتحدة.
وبلغت صادرات الصين إلى كوريا الشمالية مستوى قياسيًا بلغ 2.3 مليار دولار العام الماضي، بزيادة 25% مقارنة بالعام السابق. في خطوة رمزية، تخلت الصين عن موقفها القديم بشأن نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية، وهو ما عكسته وسائل الإعلام الرسمية في بيونغ يانغ. كما صرح كيم جونغ أون في رسالة إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ في مارس أن التعاون بين البلدين "سيزداد قوة مع تقدمنا نحو تحقيق هدفنا المشترك بالاشتراكية".
وأكد أستاذ جامعة كيونغنام، ليم إيول تشول، أن المناقشات تشمل السياسة والاقتصاد والأمن والعسكرية، وهي تمهد الطريق لعلاقات أكثر عمقًا بين البلدين. من جهته، قال ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، إن روسيا ترحب بتعزيز التعاون في المنطقة بما يساهم في الاستقرار والأمن. وأكدت وزارة الخارجية الصينية أن بكين وبيونغ يانغ تعملان على تطوير التعاون الحدودي وتشجيع التبادلات، دون التعليق على العلاقة مع موسكو، بينما لم ترد البعثة الكورية الشمالية لدى الأمم المتحدة أو سفارتها في بكين على الاستفسارات.
في مدينة داندونغ الصينية، تظهر علامات واضحة على الاستعداد لاستقبال زيادة حركة المرور عبر الحدود، بما في ذلك جسر نهر يالو الجديد المخصص للشاحنات وسيارات الركاب، ومرافق رياضية ومراكز جمركية. وتتواصل عمليات البناء أيضًا في ميناء كوانهي شمال الصين، وأرصفة ومبانٍ جديدة في نانبينغ وسانخه، في حين تبني كوريا الشمالية منشآت جمركية ومستودعات على الجانب الآخر من الجسر.
استئناف حركة القطارات بين العاصمتين
واستؤنفت مؤخرًا خدمات قطارات الركاب بين بكين وبيونغ يانغ لأول مرة منذ ست سنوات، بمواعيد محدودة لحاملي تأشيرات العمل الكورية الشمالية، وهو مؤشر على العودة التدريجية للتبادلات التجارية والسياحية، رغم استمرار القيود على السياحة الأجنبية.
وتشير البيانات إلى أن الصين تستعد لزيادة استيراد المواد التي تتطلب كثافة عمالة عالية، بما في ذلك الشعر المستعار والرموش واللحى الاصطناعية، وهي الآن تشكل نحو نصف واردات الصين من كوريا الشمالية، مرتفعةً 327 مرة خلال العقد الماضي. كما أصبحت الصين المشتري الرئيسي للمعادن الاستراتيجية مثل الموليبدينوم والتنغستن، المستخدمة في صناعة الصواريخ.
وتدعم هذه التبادلات تعزيز النفوذ الصيني، مع ضمان عدم وصول المعادن إلى الأسواق العالمية بما يحمي ضوابط التصدير الصينية. وسياسيًا، دعمت كوريا الشمالية موقف بكين تجاه تايوان وأكدت التزامها بتوسيع ترسانتها النووية، مهيئة بذلك الأرض لمزيد من التعاون مع الصين مقابل مرونة محتملة في العلاقات الدولية.
ورغم كل التحركات، تظل مدينة داندونغ، الواقعة على الحدود، بعيدة عن أي نهضة حقيقية، حيث الجسر الجديد لم يُفتتح بعد والميناء الكوري الشمالي الجديد مهجور، والعقارات التجارية منخفضة القيمة، والخدمات اللوجستية لا تزال محدودة. وأشار مسؤولون ومحللون إلى أن أي تحسين سيكون تدريجيًا وأن اكتمال مشاريع الجانب الكوري الشمالي هو المفتاح لتحقيق "الفصل الجديد" في العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ.
وأنهت اليوم أول رحلة لقطار الركاب K27 من بكين إلى بيونغ يانغ، فجوة استمرت ست سنوات، مرورًا بشمال بحر بوهاي وتوقف في داندونغ، لتسهيل التبادلات بين الشعبين. وستعمل الخدمة أربعة أيام في الأسبوع في كلا الاتجاهين، مع تذاكر محدودة لحاملي تأشيرات العمل. وتم استئناف رحلات الطيران بين البلدين منذ 2023، وتقدم خدمات محدودة مرتين أسبوعيًا.
اقرأ أيضًا:
حرب إيران قد تعزز مكاسب بوتين استراتيجيًا














