في ظل تصاعد التوترات العسكرية، تتزايد التحذيرات من اتساع رقعة الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مع تبادل التهديدات بشأن أمن الطاقة واستقرار المنطقة. فقد لوّح الحرس الثوري الإيراني بإمكانية منع شحنات النفط من الشرق الأوسط إذا استمرت الهجمات، وهو ما قوبل بتحذير شديد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي توعد بضربات أقوى ضد طهران في حال تعطيل صادرات النفط.
تصعيد متبادل بين طهران وواشنطن
ووفقًا لـ" رويترز" لم تسهم هذه التصريحات في تهدئة الأسواق بشكل كامل، رغم التراجع الذي شهدته أسعار النفط الخام وارتفاع الأسهم العالمية عقب تصريحات ترامب التي أعرب فيها عن ثقته بإمكانية إنهاء الأعمال العدائية سريعًا، وذلك حتى بعد أن أظهرت إيران تحديًا بتسمية مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا.
وكان ترامب قد صرّح، الاثنين، بأن الولايات المتحدة ألحقت أضرارًا كبيرة بالجيش الإيراني، متوقعًا انتهاء الصراع قبل الإطار الزمني المبدئي المحدد له وهو أربعة أسابيع، دون أن يوضح شكل النصر الذي تسعى واشنطن لتحقيقه.
من جانبها، تؤكد إسرائيل أن هدفها من الحرب يتمثل في إسقاط النظام الديني في إيران. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن طموح بلاده يتمثل في تمكين الشعب الإيراني من التخلص من الحكم الاستبدادي، مضيفًا أن تحقيق ذلك يعتمد في النهاية على الإيرانيين أنفسهم.
وأضاف نتنياهو أن الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل حتى الآن ألحقت خسائر كبيرة بالجانب الإيراني، مؤكدًا أن بلاده ما زالت تمد يدها للشعب الإيراني، وأن التعاون معه قد يفضي إلى وضع حد نهائي لهذا الصراع.
أكد مسؤولون في الولايات المتحدة أن الهدف الأساسي لواشنطن يتمثل في إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية وتقويض برنامجها النووي، إلا أن دونالد ترامب أشار إلى أن إنهاء الحرب يتطلب في نهاية المطاف وجود حكومة إيرانية أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية.
وفي سياق متصل، أعلن سفير إيران لدى الأمم المتحدة أن الهجمات الجوية والصاروخية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ نهاية فبراير الماضي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1332 مدنيًا، إضافة إلى إصابة آلاف آخرين.
وحذر ترامب من أن الضربات الأمريكية قد تتصاعد بشكل كبير إذا أقدمت طهران على تعطيل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
وقال ترامب في مؤتمر صحفي، الاثنين، إن الولايات المتحدة سترد بقوة شديدة إذا حاولت إيران إغلاق هذا الممر الحيوي، مؤكدًا أن الضربات المحتملة ستكون قاسية قائلًا "سنضربهم بقوة لدرجة أنه لن يكون من الممكن لهم أو لأي شخص آخر يساعدهم استعادة ذلك الجزء من العالم".
من يحدد نهاية الحرب؟
أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه لن يسمح بخروج أي نفط من المنطقة إذا استمرت الهجمات، بينما وصف متحدث باسم الحكومة الإيرانية تصريحات ترامب بأنها «هراء»، مؤكدًا أن طهران هي من سيقرر متى تنتهي الحرب.
وجدد ترامب تحذيره عبر منصة تروث سوشيال، ملوّحًا بتوجيه ضربات أشد إذا أقدمت إيران على تعطيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، قائلاً " إذا قامت إيران بأي شيء يوقف تدفق النفط داخل مضيق هرمز، فسوف تضربها الولايات المتحدة الأمريكية بعشرين ضعفاً أكثر مما ضربتها به حتى الآن".
في المقابل، حذرت شركة أرامكو السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، من عواقب «كارثية» على أسواق الطاقة العالمية إذا استمرت الحرب في تعطيل الملاحة في المضيق، الذي يعد أهم ممر لتصدير النفط عالميًا ويربط منتجي الخليج ببحر العرب.
وأدت الحرب بالفعل إلى شلل شبه كامل في حركة ناقلات النفط عبر المضيق لأكثر من أسبوع، ما أجبر بعض المنتجين على وقف الضخ بعد امتلاء مرافق التخزين.
من جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة بات مستبعدًا، مؤكدًا أن واشنطن تحدثت عن إحراز تقدم في المحادثات قبل أن تقدم على مهاجمة بلاده.
وأثار تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى خلفًا لوالده الراحل علي خامنئي مخاوف من إطالة أمد الحرب، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع وتسبب في تراجع حاد بأسواق الأسهم العالمية.
غير أن الأسواق عكست اتجاهها لاحقًا بعد توقعات الرئيس الأمريكي بانتهاء الصراع سريعًا، إلى جانب تقارير عن احتمال تخفيف القيود على قطاع الطاقة الروسي.
وقال ترامب، عقب اتصال مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن واشنطن قد تخفف القيود النفطية المفروضة على بعض الدول لتقليل نقص الإمدادات، في خطوة قد تشمل تخفيف الضغوط على صادرات النفط الروسية.
وفي الأسواق، تراجعت العقود الآجلة لخام نفط برنت بأكثر من 10% بعد أن كانت قد قفزت بنحو 29% في الجلسة السابقة إلى أعلى مستوى منذ عام 2022، فيما استعادت أسواق الأسهم العالمية جزءًا من خسائرها.
إستراتيجية الصمود وتعطيل الطاقة
تراهن إيران على إستراتيجية الصمود في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر تحويل المواجهة إلى حرب استنزاف تقوم على تعطيل مسارات الطاقة وإرباك الأسواق العالمية. وترى طهران أن تكثيف استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى جانب الضغط على خطوط الإمدادات الحيوية، قد يدفع واشنطن في نهاية المطاف إلى التراجع.
ووفقًا لـ "رويترز" فرغم الضربات الأولى التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل وما أسفرت عنه من خسائر في قيادات بارزة، فإن الحرس الثوري الإيراني ما يزال يمسك بزمام المشهد العسكري، حيث يدير العمليات ويشرف على تنفيذ الخطط الميدانية وتحديد مسار الاستراتيجية القتالية.
كما لعب الحرس الثوري دورًا محوريًا في تثبيت مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى خلفًا لوالده علي خامنئي، الذي قُتل في الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأولى.
يرى فواز جرجس من كلية لندن للاقتصاد، أن القيادة في إيران تنظر إلى الصراع باعتباره معركة وجودية شاملة، معتبرة أن بقاءها على المحك، ما يجعلها مستعدة للذهاب إلى أقصى حدود المواجهة. وبدوره، وصف الباحث أليكس فاتانكا الوضع بأن إيران تبدو كـ«حيوان جريح ينزف»، ما قد يجعلها أكثر خطورة.
أشار مهند حاج علي، من مركز كارنيجي للشرق الأوسط، إلى أن أحد العناصر غير المعروفة في الصراع الحالي هو المدة التي يمكن أن يواصل فيها الحرس الثوري الإيراني حملته الصاروخية، التي تشكل العمود الفقري لاستراتيجيته ضد خصومه.
وأوضح مسؤولون أمريكيون أن جزءًا كبيرًا من الترسانة الصاروخية لإيران دُمّر بالفعل، لكن مصادر إقليمية تشير إلى أن طهران قد تحتفظ بأكثر من نصف مخزونها السابق، ما قد يسمح لها بمواصلة إطلاق الصواريخ لأسابيع مقبلة، وهو عامل بالغ الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية داخليًا وخارجيًا.
ولا يقتصر نفوذ الحرس الثوري على المجال العسكري، بل يمتد إلى الحياة اليومية، حيث تُصرف البضائع في الموانئ فورًا بينما تأتي الإجراءات الورقية لاحقًا، في ما وُصف بأنه استعداد لاقتصاد الحرب وضمان استمرار خطوط الإمداد، مع تعزيز سيطرة الحرس على الدولة واستمرارية الحكم.
وأفاد مراقبون ومصادر داخل إيران بأن الاستقرار الداخلي ما زال قائمًا، مع عدم ظهور أي احتجاجات أو انقسامات بين النخب أو داخل المؤسسات الحكومية.
اقرأ أيضًا :
الحرس الثوري ردًا على ترامب: نحن من يحدد نهاية الحرب
ليست النفط فقط.. سوق أخرى مهددة بسبب حرب إيران











