يتزايد قلق الصين بشأن الحرب مع إيران في الوقت الذي يستعد فيه رئيسها، شي جين بينغ، لاستضافة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في بكين لإجراء محادثات حاسمة بين أكبر اقتصادين في العالم قرب نهاية هذا الشهر.. ومن المتوقع أن تتناول القمة مجموعة واسعة من القضايا الرئيسية، من التوترات التجارية إلى قضية تايوان.
يُضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المحادثات الوشيكة، تتمثل الآن في الحرب المتصاعدة بسرعة في الشرق الأوسط.
لطالما ربطت القيادة الإيرانية علاقات وثيقة ببكين، وقد تابعت الصين -شأنها شأن العديد من الدول الأخرى- بقلق بالغ اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، فضلًا عن الارتفاع الحاد في أسعار النفط والضرر الذي لحق بالاقتصاد العالمي جراء تصاعد الصراع.
بعد مرور أكثر من أسبوع على شن الولايات المتحدة وإسرائيل غارات على إيران، لم تظهر الحرب أي مؤشرات على التراجع، وصرح ترامب يوم الجمعة بأنه لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا "استسلام غير مشروط"، دون الخوض في تفاصيل المطالب المحددة.
تجنب نيران الحرب
وصف كبير الدبلوماسيين الصينيين بلاده بأنها المدافعة عن السلام والاستقرار في ظل استمرار الحرب في إيران، بينما اتخذ نبرة تصالحية تجاه الولايات المتحدة قبل القمة المرتقبة للغاية بين زعيمي البلدين.
"هذه الحرب ما كان ينبغي أن تحدث أبدًا.. حرب لم يستفد منها أحد"، هذا ما قاله وانغ يي، وزير الخارجية الصيني، في مؤتمر صحفي يوم الأحد على هامش الجمعية السنوية للهيئة التشريعية الصينية التي تُعتبر هيئة شكلية.
وكرر "وانغ"، الذي أشاد بالصين باعتبارها "أهم قوة في العالم للسلام والاستقرار والعدالة"، دعوة بكين إلى وقف فوري لإطلاق النار "لمنع تصعيد الموقف وتجنب امتداد وانتشار نيران الحرب"، وأضاف: "ينبغي على جميع الأطراف العودة إلى طاولة المفاوضات في أسرع وقت ممكن وحل خلافاتهم من خلال حوار متكافئ".
الصين كقوة عظمى ومسؤولة
انتهزت بكين هذه اللحظة لعرض صورة قوة عظمى موثوقة ومسؤولة –في تناقض حاد مع الولايات المتحدة، التي زرعت حالة من عدم اليقين في العالم من خلال حروب جديدة، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وشن حرب تجارية عالمية ضد حلفائها المقربين والصين.. أكد "وانغ" يوم الأحد أن بكين وفرت "أثمن مصدر للاستقرار واليقين في عالم مضطرب، لتصبح مرساة لا غنى عنها وسط الفوضى العالمية".
في الوقت نفسه، دعا "وانغ" إلى استمرار الحوار مع واشنطن لمعالجة الخلافات الرئيسية، معربًا عن ترحيبه بالقمة المرتقبة بين شي وترامب. وقال إن زعيمي البلدين قدّما مثالاً يحتذى به في مساعدة العلاقات الثنائية على تحقيق استقرار شامل رغم الاضطرابات.
قال وانغ يوم الأحد: "المطلوب الآن هو أن يقوم كلا الجانبين بإجراء استعدادات شاملة، وتهيئة بيئة مواتية، وإدارة الخلافات القائمة، والقضاء على التدخل غير الضروري".
وأضاف قائلًا: "الصين والولايات المتحدة كلاهما قوتان عظميان، ولا يمكن لأي منهما تغيير الأخرى - ولكن يمكننا تغيير طريقة تفاعلنا"، وحث الولايات المتحدة على التحرك في نفس الاتجاه.
الصمود أمام التعريفات الجمركية الأمريكية
في نفس المكان العام الماضي -بعد وقت قصير من إطلاق ترامب أول هجوم بالتعريفات الجمركية ضد الصين في عهد إدارته الجديدة- حذر "وانغ" الولايات المتحدة من "نهج ذي وجهين" في علاقاتها مع الصين، مؤكدًا أن بكين "تعارض بشدة سياسة القوة والهيمنة".
إذا كانت رسالة العام الماضي تحذيرًا وسط حالة من عدم اليقين، فقد اتسمت رسالة هذا العام بالثقة. فقد صمدت بكين إلى حد كبير أمام هجمات ترامب الجمركية، وأكدت صحة استراتيجيتها المتشددة، بينما عززت مكانتها العالمية في الوقت الذي أثار فيه الرئيس الأمريكي اضطرابات في جميع أنحاء العالم.
شهدت الأشهر القليلة الماضية زيارات عديدة من حلفاء الولايات المتحدة المقربين تقليديًا، بدءًا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مرورًا برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وصولًا إلى المستشار الألماني فريدريش ميرز، في إشارة إلى نجاح بكين في استمالتهم. وقد أشار وانغ إلى هذا التطور.
وقال: "لقد لاحظنا أن عددًا متزايدًا من الشخصيات المؤثرة في أوروبا يدركون أن بكين ليست منافسًا، بل شريكًا عالميًا"، بينما حث على مزيد من التعاون والتجارة بين الكتلتين.
ويبدو أن وزير الخارجية الصيني قد رد أيضًا على محاولة ترامب لتصوير مجلس السلام التابع له كبديل للأمم المتحدة، متعهدًا بالدفاع عن التعددية وحماية المنظمة العالمية.
وقال وانغ: "إن محاولات تجاوز الأمم المتحدة والبدء من جديد، أو السعي إلى نظام منفصل، أو تجميع كتل صغيرة ودوائر حصرية لا تحظى بأي دعم وهي غير مستدامة".
إلا أن المؤتمر الصحفي الذي عقده وانغ لم يتطرق إلى العديد من القضايا التي أثارت قلق دول أخرى وجيران الصين في وقت تتزايد فيه التوترات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
أغرقت الصين السوق العالمية بصادراتها، وسخّرت هيمنتها في إنتاج العناصر الأرضية النادرة كسلاح، مما يُنذر باضطراب كبير في سلسلة التوريد العالمية. كما صعّدت ضغوطها العسكرية على تايوان، فضلًا عن المواجهات البحرية مع الفلبين واليابان.
الصين وروسيا
م يذكر "وانغ" أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس من الحرب مع موسكو، بينما أكد أن علاقة الصين بروسيا "لا تتأثر بالرياح والأمطار، فهي ثابتة كالجبل".
منذ أن شنت موسكو غزوًا واسع النطاق لأوكرانيا في عام 2022، رفضت بكين انتقاد روسيا وظلت شريكها الرئيسي، حيث عملت كشريان حياة اقتصادي ودبلوماسي بالغ الأهمية.
"تتمتع بكين وموسكو بمستوى عالٍ من الثقة السياسية المتبادلة. والوقوف جنبًا إلى جنب سمة مميزة للعلاقات الصينية الروسية. نحن لا نخشى أي استفزاز أو ضغط خارجي"، هذا ما قاله وانغ.













