واجهت الدول الأوروبية صعوبة في إصدار موقف موحد إزاء إيران وسط تصاعد التوترات بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير قبل ثلاثة أيام. على مدى أسابيع، تابع قادة أوروبا تحركات الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط وتهديدات إدارة ترامب لطهران، لكن بدء الهجوم كشف عن انقسام القارة وعجزها عن التأثير على مجريات الأحداث.
وتشهد الحكومات الأوروبية قلقًا مزدوجًا؛ أمنيًا بشأن حماية مواطنيها في المنطقة وإمكانية إجلائهم، واقتصاديًا بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، التي بلغت مستويات لم تشهدها أوروبا منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022. وسياسيًا، لا تزال القارة تكافح لإيجاد صوت موحد بشأن التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.
وتمكنت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة من إصدار بيان مشترك يحذر إيران من اتخاذ هجمات عشوائية، مؤكدين استعدادهم لإجراءات دفاعية ضد مواقع الصواريخ والطائرات بدون طيار. وفي هذا السياق، وافقت المملكة المتحدة على استخدام قاعدتين عسكريتين بريطانيتين للضربات الدفاعية، بينما عززت فرنسا وجودها بعد استهداف قاعدة فرنسية في الإمارات، وأكدت ألمانيا استعداد جنودها للدفاع دون المشاركة في أي هجوم هجومي.
إلى جانب ذلك، تجنب القادة الأوروبيون إثارة غضب واشنطن، مع اهتمام كبير بعدم تشتيت الرئيس الأمريكي عن النزاع في أوكرانيا. ومع ذلك، ظل الاتحاد الأوروبي منقسمًا في مواقفه؛ فبينما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى انتقال سياسي في إيران، امتنعت بيانات وزراء الخارجية عن المطالبة بتغيير النظام.
أوروبا والقدرات النووية والدفاعية
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعديل العقيدة النووية الفرنسية وزيادة عدد الرؤوس الحربية، في ظل توسع قدرات روسيا والصين النووية. وتسعى فرنسا وألمانيا والسويد لتوسيع التعاون الدفاعي الأوروبي، خاصة في ظل تخوفات من تقليص الدعم الأمريكي.
ورغم ذلك، لا يزال التنسيق العسكري الأوروبي يمثل تحديًا. فأوروبا تعتمد على 178 نظامًا من الأسلحة المختلفة مقابل 30 نظامًا في الولايات المتحدة، ما يزيد التكاليف ويضعف الفاعلية. وتُحاول الناتو معالجة هذه المشكلة عبر توجيهات طوعية لأعضائه، مع التأكيد على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي تحت ضغط الولايات المتحدة.
أولويات وأزمات وطنية تحدد المواقف
وتعكس المواقف الأوروبية اختلافات تاريخية ووطنية واضحة: ألمانيا تميل إلى تجنب الصراعات المباشرة بسبب التاريخ، لكنها زادت مؤخرًا دعمها العسكري لأوكرانيا وتخطط لبناء أكبر جيش تقليدي في أوروبا. أما إيطاليا، فتواجه رئيسة وزرائها جورجيا ميلوني تحديًا داخليًا بسبب معارضة الرأي العام للمشاركة العسكرية الخارجية وزيادة الإنفاق الدفاعي، رغم التزاماتها الدولية.
وتتبع كل دولة أوروبية أولوياتها الوطنية وفق تاريخها وحساسيات ناخبيها، ما يعيق التوصل إلى موقف موحد. وتتطور التحالفات داخل أوروبا وخارجها بناءً على المصالح المشتركة، مثل اتفاقية الدفاع بين المملكة المتحدة والنرويج، أو التحالف الأوروبي المؤيد لأوكرانيا بقيادة فرنسا وبريطانيا، مع إشراك دول متشابهة في التفكير من خارج القارة مثل كندا وكوريا الجنوبية واليابان.
ومع تصاعد التوترات العالمية وتأكيد مبدأ القوة في السياسة الدولية، تتوسع دائرة التعاون الأوروبي، لكن يبقى السؤال قائمًا: هل تستطيع الدول الأوروبية العمل معًا بفعالية في قضايا الأمن والدفاع، أم ستظل التحالفات مؤقتة ومجزأة وفق مصالح كل دولة.
اقرأ أيضًا:
نتنياهو يكشف المدى الزمني للحرب مع إيران
ثلاثة سيناريوهات لنتائج حرب ترامب مع إيران
إيران تغلق مضيق هرمز وتهدد السفن العابرة














