تتواصل المواجهة العسكرية بين روسيا وأوكرانيا منذ عام 2014، حين أصدرت موسكو قرارها بضمّ شبه جزيرة القرم المطلة على البحر الأسود، قبل أن تمتد العمليات إلى مناطق في إقليم دونباس شرقي البلاد، لتدخل الأزمة لاحقًا مرحلة أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
حرب مستمرة بلا مؤشرات حسم
وبعد مرور سنوات على اندلاع النزاع، لا تلوح في الأفق مؤشرات واضحة على اقتراب تسوية نهائية، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتبادل الاتهامات بين الجانبين.
وفقًا لـ "BBC" كان التصعيد الأوسع قبل أربعة أعوام قد مثّل نقطة تحول مفصلية، إذ اعتبرته كييف محاولة مباشرة لإنهاء سيادتها واستقلالها. وفي أكثر من مناسبة، كرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رؤيته التاريخية التي تعتبر أوكرانيا جزءًا من المجال الروسي.
في المقابل، رفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه الطروحات، مؤكدًا في منشور عبر منصة «إكس» قبيل ذكرى الغزو أن اللجوء إلى السرديات التاريخية لا يُعد مبررًا لاستمرار الحرب أو تأجيل المسار الدبلوماسي، واصفًا ذلك بأنه «تكتيك للمماطلة»، مضيفًا "لقد قرأت كتبًا تاريخية لا تقلّ عن قراءة بوتين، وتعلمت منها الكثير".
نزوح مستمر ودمار متصاعد في أوكرانيا
في أقصى شرق العاصمة الأوكرانية كييف، ما تزال محطات القطارات تؤدي دورها الحيوي في إجلاء المدنيين، تمامًا كما حدث في الأسابيع الأولى من اندلاع الحرب مطلع عام 2022. القطارات التي حملت مئات الآلاف آنذاك، تواصل اليوم نقل السكان بعيدًا عن خطوط النار، في مشهد يعكس استمرار الخطر وتبدّل خرائط السيطرة.
وعلى الجبهة الشرقية، يتحرك الجيش الروسي بوتيرة بطيئة، لكنه يحقق تقدمًا تدريجيًا في مقاطعة دونيتسك، التي تُعد الساحة الأكثر اشتعالًا في النزاع. ورغم أن أوكرانيا لا تزال تسيطر على نحو خُمس المقاطعة، فإن المعارك المتواصلة أودت بحياة كثيرين، وخلّفت دمارًا واسعًا طال القرى والبلدات والبنية التحتية.
على مدى أربع سنوات، تحولت مدن كاملة إلى ركام بفعل العمليات العسكرية المتعاقبة. من باخموت التي تصدّرت مشهد المواجهات في مراحل سابقة، إلى بوكروفسك التي تواجه المصير ذاته اليوم، يتكرر سيناريو الدمار والنزوح.
تعبر حافلات تقل نازحين بشكل يومي من دونيتسك إلى مدينة لوزوفا في مقاطعة خاركيف. وهناك، جرى تجهيز مدرسة كمركز استقبال وإغاثة، يستقبل عائلات وصلت بحقائب قليلة، تصحب أطفالها وحيواناتها الأليفة، وتحمل معها ثقل الخسارة والقلق من المجهول.
أوكرانيا بين ضغوط التفاوض واستمرار المواجهة
تتواصل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا عبر قنوات وساطة يقودها مقربون من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من بينهم صهره جاريد كوشنر ورجل الأعمال ستيف ويتكوف. ومن المنتظر أن تُستأنف اللقاءات في جنيف عقب إحياء ذكرى اندلاع الحرب، وسط تقييمات متباينة لنتائج الجولة الأخيرة؛ إذ تحدث ويتكوف عن مؤشرات إيجابية، بينما وصفت موسكو وكييف أجواء المباحثات بأنها متوترة.
ورغم استمرار الاتصالات، تبدو فرص التوصل إلى وقف إطلاق نار محدودة في ظل تمسك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمواقفهما الأساسية. فكل طرف لا يزال يعتقد بإمكانية تحسين موقعه ميدانيًا، ما يقلل من احتمالات تقديم تنازلات جوهرية في المرحلة الراهنة.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن مسار التفاوض الحالي قد يكون محاولة لاسترضاء الرئيس الأمريكي. وكان ترامب قد صعّد لهجته تجاه كييف في فترات سابقة، ووجّه انتقادات حادة لزيلينسكي، في حين ردّ الأخير ساخرًا من تلك التصريحات ونفى الاتهامات الموجهة إليه. وقبيل الجولة الأخيرة من المحادثات، دعا ترامب أوكرانيا إلى الإسراع في الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وعلى صعيد الدعم العسكري، أوقفت واشنطن معظم مساعداتها المباشرة، إلا أن كييف ما تزال تعتمد على المعلومات الاستخباراتية الأمريكية، التي تمثل عنصرًا حاسمًا في إدارة العمليات. كما تواصل دول أوروبية شراء أسلحة أمريكية لا سيما أنظمة وصواريخ دفاعية لصالح أوكرانيا.
أوكرانيا تواصل الصمود
ورغم الضغوط السياسية والعسكرية، تشير المعطيات الميدانية إلى أن أوكرانيا ما تزال تحافظ على تماسكها، ولا تبدو في موقع الانهيار الوشيك، في وقت تستمر فيه الحرب دون أفق حاسم.
وفي ظل الضربات الروسية المكثفة التي استهدفت البنية التحتية للطاقة والتدفئة خلال الشتاء الأشد قسوة منذ سنوات، لا تزال المدن الأوكرانية الكبرى تحافظ على وتيرة حياة شبه طبيعية. ففي كييف، تبدو الشوارع مزدحمة بالحركة، والمتاجر والمقاهي تعمل بكامل طاقتها، في مشهد يعكس قدرة العاصمة على التكيف مع واقع الحرب.
لكن هذا الإيقاع اليومي لا يحجب التهديد المستمر. صفارات الإنذار تدوي، غالبًا مع ساعات الفجر الأولى، فيما تتناقل التقارير أنباء عن سقوط مدنيين داخل منازلهم جراء هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ باليستية. وفي موازاة ذلك، تمضي كييف في إعادة إحياء مجمعها الصناعي العسكري الذي تعود جذوره إلى الحقبة السوفيتية، مع تركيز متزايد على تطوير قدرات الضربات بعيدة المدى داخل العمق الروسي.
أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن بلاده قادرة على الانتصار، لكنه شدد على أن مواصلة القتال تتطلب دعمًا أوروبيًا أكبر وأكثر استدامة.
ومع اقتراب الربيع، لا يزال الشتاء يفرض قسوته على هذا الجزء من أوروبا، حيث قد تمتد برودته حتى أبريل. وخلال الأشهر الماضية، كثفت روسيا هجماتها على محطات توليد الكهرباء والمنشآت الحرارية التي تعود إلى العهد السوفيتي، بهدف تقويض قدرة المدن على توفير التدفئة والمياه الساخنة.
في إحدى محطات الكهرباء المدمرة كان العمال ينتشلون قطع الفولاذ من بين الركام، بعدما تعرضت المنشأة لقصف مكثف جعل إصلاحها مستحيلًا، لتصبح إعادة بنائها الخيار الوحيد.
وبينما تستمر المعارك، يبدو أن إصرار كييف على تفادي هذا المصير يمثل أحد أبرز العوامل التي تبقي الحرب مفتوحة حتى الآن.
اقرأ أيضًا :
كارثة ديموغرافية.. أوكرانيا أصبحت أمة من الأرامل والأيتام
زيلينسكي يكشف طموح واشنطن.. إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية بحلول صيف 2026
غوتيريش: حقوق الإنسان تواجه هجومًا متصاعدًا حول العالم













