لم تعد الحرب في أوكرانيا تُقاس فقط بالخسائر العسكرية أو حدود الجبهات، بل أصبحت تُقاس أيضاً بعمق الجرح الاجتماعي الذي تركته في بنية المجتمع، فبعد سنوات من القتال منذ ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم ثم الغزو الشامل، تواجه البلاد أزمة ديموغرافية توصف بأنها من الأسوأ عالمياً، حيث يتراجع عدد السكان بسرعة، وتتسع دائرة الأرامل والأيتام، فيما تتبدد أحلام جيل كامل بتكوين عائلات مستقرة.
قصص فردية تختصر مأساة وطن
تُجسّد قصة المقاتلة السابقة أولينا بيلوزيرسكا نموذجاً لمعاناة آلاف النساء، فقد أجّلت هي وزوجها فكرة الإنجاب بعد التحاقهما بالقتال، وعندما عادت من الخدمة كانت قد تجاوزت الأربعين، لتخبرها الفحوص الطبية أن فرص الأمومة أصبحت شبه معدومة، ومع محاولات العلاج والتلقيح الصناعي، ظل الخوف يلاحقها من أن الحرب قد تسرق منها آخر فرصة للحياة الأسرية.
قصتها ليست استثناءً، بل انعكاساً لواقع واسع؛ إذ يؤكد أطباء متخصصون أن الضغوط النفسية، وسوء ظروف المعيشة، والخدمة العسكرية الطويلة، جميعها تؤثر سلباً على الخصوبة لدى النساء والرجال على حد سواء، كما تشير تقارير طبية إلى ارتفاع حالات الإجهاض المبكر والمضاعفات الوراثية منذ بدء الحرب، وهو مؤشر مقلق على مستقبل البلاد السكاني.
انهيار المواليد وتراجع عدد السكان
تشير تقديرات ديموغرافية نقلتها شبكة CNN إلى أن أوكرانيا فقدت قرابة عشرة ملايين شخص منذ اندلاع الحرب، بين قتلى ولاجئين وسكان يعيشون في مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة، وفي الوقت نفسه، انخفض معدل الخصوبة إلى أقل من طفل واحد لكل امرأة، وهو مستوى أدنى بكثير من المعدلات الأوروبية والأميركية.
ويُظهر تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن عدد القتلى الأوكرانيين قد يتراوح بين 100 و140 ألفاً منذ بداية الغزو الشامل، وهي أرقام لا تعكس فقط الخسائر العسكرية، بل تشير أيضاً إلى فقدان جيل كامل من الآباء والأزواج، ومع ارتفاع متوسط عمر الجنود، فإن كثيراً من القتلى يتركون وراءهم أطفالاً وزوجات، ما يعمّق أزمة التفكك الأسري.
بلد الأرامل والأيتام
في مدن مثل كييف، تتزايد المبادرات الاجتماعية لدعم أرامل الجنود، بعد أن أصبحت هذه الفئة جزءاً واضحاً من المشهد اليومي، وتروي إيرينا إيفانوفا، التي فقدت زوجها الطيار في المعارك، كيف اكتشفت حملها بعد مقتله، لتولد طفلتها لاحقاً بلا أب، وتتكرر هذه القصص في أنحاء البلاد، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود عشرات آلاف الأطفال الذين يعيشون دون والديهم البيولوجيين.
وفي مدن الجبهة مثل باخموت، التي شهدت معارك مدمرة، أصبح الفقد جزءاً من الذاكرة الجماعية للسكان، وكثير من النساء اللواتي فقدن أزواجهن يحاولن اليوم بناء شبكات دعم نفسي واجتماعي، وتنظيم مبادرات لمساعدة أطفال الجنود القتلى، في محاولة لملء الفراغ الذي تركته الحرب.
نزيف الهجرة واستنزاف العقول
إلى جانب القتلى، تواجه أوكرانيا نزيفاً بشرياً هائلاً بسبب الهجرة، فقد سجل نحو ستة ملايين أوكراني كلاجئين في الخارج منذ 2022، معظمهم من النساء والأطفال والشباب المتعلمين، ومع طول أمد الحرب، تتضاءل احتمالات عودتهم، ما يحرم البلاد من طاقات بشرية ستحتاجها بشدة في مرحلة إعادة الإعمار.
ويمثل هذا النزوح استنزافاً مزدوجاً: فهو يقلل عدد السكان في سن العمل، ويضعف فرص التعافي الاقتصادي مستقبلاً، ويرى خبراء أن البلاد قد تضطر لاحقاً لاستقدام عمالة أجنبية لتعويض النقص، وهو سيناريو قد يغيّر تركيبة المجتمع الأوكراني لعقود.
مستقبل على المحك
تُظهر الأزمة الديموغرافية في أوكرانيا أن آثار الحروب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار، بل تمتد لعقود عبر انخفاض المواليد، وتفكك الأسر، وهجرة الكفاءات، وبينما تحاول النساء الأرامل والجنود العائدون إعادة بناء حياتهم، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل تستطيع البلاد تعويض ما فقدته من البشر قبل أن يفوت الأوان؟
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن التحدي الذي يواجه أوكرانيا لن يكون فقط في استعادة أراضيها، بل في استعادة شعبها نفسه.
اقرأ أيضًا:
رد عربي وإسلامي حاسم على تصريحات السفير الأمريكي لدى الاحتلال














