غادر السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون، منزله بوسط العاصمة لندن، اليوم الإثنين، ترافقه عناصر شرطة بملابس مدنية مزودين بكاميرات جسدية، قبل أن يُنقل في سيارة إلى مركز شرطة لندني.
جاء هذا المشهد تتويجًا لتحقيق جنائي بدأته الشرطة في وقت سابق من هذا الشهر، ليضع رجل السياسة البالغ من العمر 72 عامًا قيد الاعتقال للاشتباه في ارتكابه تهمة سوء السلوك في المنصب العام، وذلك على خلفية الكشف عن طبيعة علاقاته مع الممول والمدان بارتكاب جرائم جنسية، الراحل جيفري إبستين.
خيوط إبستين والملاحقة الأمنية
تحركت الشرطة بعد أن أحالت حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر اتصالات جرت بين السفير السابق وإبستين إلى السلطات.
وقد أصدرت شرطة العاصمة لندن بيانًا رسميًا قالت فيه إن «الضباط ألقوا القبض على رجل يبلغ من العمر 72 عامًا للاشتباه في سوء السلوك في المنصب العام»، في إطار تحقيق يتعلق بوزير حكومي سابق.
وأضافت الشرطة في بيانها تفاصيل الضبط: «أُلقي القبض عليه في عنوان بكامدن يوم الإثنين 23 فبراير واقتيد إلى مركز شرطة في لندن لإجراء مقابلة معه»، موضحة أن الإجراء «يأتي في أعقاب أوامر تفتيش في عنوانين في منطقتي ويلتشير وكامدن»، علمًا بأن الشرطة كانت قد فتشت منزلي ماندلسون في لندن وغرب إنجلترا في وقت سابق من هذا الشهر.
تشير قاعدة الإجراءات القانونية إلى أن الاعتقال يعني اشتباه الشرطة في وقوع جريمة، لكنه لا ينطوي بالضرورة على إدانة، وفي غياب أي رد فوري متاح من محامي ماندلسون في المادة الحالية، يلتزم السفير السابق الصمت ولم يعلق علنًا أو يرد على الرسائل التي تطلب التعليق على التطورات الأخيرة، مكتفيًا بتصريح سابق عبر فيه عن ندمه «بشدة» على ارتباطه بإبستين، الذي توفي في السجن عام 2019 في أثناء انتظار محاكمته بتهم الاتجار بالجنس.
بدأت خيوط القضية في التكشف عندما نشرت وزارة العدل الأمريكية في أواخر يناير رسائل بريد إلكتروني أظهرت أن الرجلين جمعتهما علاقة أوثق مما كان معروفًا للجمهور.
وكشفت الوثائق أن ماندلسون شارك معلومات مع المالي إبستين خلال فترة توليه منصب وزير في حكومة رئيس الوزراء الأسبق جوردون براون عام 2009.
من ذروة الدبلوماسية إلى أروقة المحاكم
يتقاطع المسار الجنائي لماندلسون مع خط سياسي بالغ التعقيد، فقد عينه ستارمر سفيرًا لدى الولايات المتحدة في أواخر عام 2024، في خطوة اعتُبرت في البداية ذكية، وسجل ماندلسون انتصارًا مبكرًا بضمان أن تكون بريطانيا أول دولة تبرم اتفاقًا مع الولايات المتحدة لخفض بعض الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، لكن هذا الصعود الدبلوماسي انهار سريعًا في سبتمبر، حيث أُقيل من أرقى منصب في الخدمة الدبلوماسية البريطانية بمجرد أن بدأ عمق صداقته مع إبستين يتضح.
إثر ذلك، استقال ماندلسون هذا الشهر من حزب العمال التابع لستارمر ومن منصبه في الغرفة العليا بالبرلمان، وتضع هذه التطورات رئيس الوزراء تحت ضغط متزايد، حيث يواجه مطالبات بالاستقالة بسبب تعيين ماندلسون، فضلًا عن تصريح ستارمر بأن ماندلسون كذب بشأن حجم علاقاته مع إبستين خلال عملية التدقيق، وفي ظل هذا المشهد، أمر البرلمان بنشر الوثائق المتعلقة بفحص التعيين، وأعلن أحد الوزراء اليوم الإثنين أن أولى هذه الوثائق ستُنشر في أوائل مارس.
ارتدادات الفضيحة والتاريخ المضطرب
لا تقف حدود الفضيحة عند ماندلسون، فقد أجبرت ارتداداتها مسؤولين حكوميين كبيرين على الاستقالة، وفي الأسبوع الماضي، امتدت التوقيفات لتطال شقيق الملك تشارلز الأصغر، أندرو ماونتباتن وندسور، الذي اعتُقل للاشتباه في ارتكابه سوء سلوك في المنصب العام على خلفية مزاعم منفصلة بإرسال وثائق حكومية سرية إلى إبستين، رغم نفيه الدائم لارتكاب أي مخالفات.
وإذا ما تطورت قضية ماندلسون، فإن الإدانة بسوء السلوك في منصب عام تحمل عقوبة قصوى تصل إلى السجن مدى الحياة، ويجب أن تُعالج في محكمة التاج التي تنظر فقط في أخطر الجرائم الجنائية.
وتطوي هذه الأحداث صفحة مسيرة مهنية مضطربة امتدت لعقود، حيث برز ماندلسون في منتصف إلى أواخر التسعينيات كأحد مهندسي مشروع «حزب العمال الجديد» بقيادة رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، وقد اضطر للاستقالة من مجلس الوزراء مرتين، الأولى في عام 1998 لفشله في الكشف عن قرض عقاري حصل عليه من زميل، والثانية عام 2001 بعد مزاعم بمحاولته التأثير على طلب جواز سفر. لكنه عاد كوزير في حكومة براون العمالية بين عامي 2008 و2010، ثم إلى الحياة العامة في أواخر 2024، قبل أن تسقطه رسائل إبستين نهائيًا، لتغلق الدائرة على سياسي نجا من أزمات عديدة، لكنه تعثر أخيرًا في شباك ماضيه غير المعلن.













