أعاد إغلاق مطار مدينة إل باسو الأمريكية بشكل مفاجئ، مساء الثلاثاء، ملف الطائرات المسيّرة التابعة لعصابات المخدرات المكسيكية إلى واجهة التوتر بين الولايات المتحدة والمكسيك، وسط تضارب في الروايات الرسمية بشأن أسباب الإغلاق ومخاوف متزايدة من تصاعد التهديدات الأمنية على طول الحدود المشتركة.
وأعلنت السلطات الأمريكية أن الإغلاق جاء عقب رصد طائرة مسيّرة يُشتبه في تبعيتها لإحدى عصابات المخدرات المكسيكية داخل المجال الجوي الأمريكي، ما دفع الجهات المختصة إلى تعليق حركة الطيران مؤقتًا، في خطوة سلطت الضوء على تنامي استخدام الطائرات بدون طيار من قبل الجماعات الإجرامية، والخلافات الثنائية حول كيفية احتواء هذا التهديد.
وخلال العام الماضي، عبّر مسؤولون أمنيون في الولايات المتحدة عن قلق متصاعد إزاء اعتماد كارتيلات المخدرات المكسيكية على الطائرات المسيّرة، التي غالبًا ما تكون نماذج تجارية بسيطة جرى تعديلها بوسائل بدائية، وتُستخدم لنقل شحنات مخدرات عبر الحدود أو لمراقبة تحركات قوات إنفاذ القانون ومسارات التهريب. كما وثقت حوادث داخل الأراضي المكسيكية، بعيدًا عن الحدود، لجأت فيها هذه الجماعات إلى استخدام الطائرات المسيّرة لإلقاء عبوات ناسفة، ما أسفر عن هجمات دامية.
ويأتي هذا التطور في وقت باتت فيه الطائرات بدون طيار عنصرًا محوريًا في تغيير طبيعة الصراعات المسلحة عالميًا، خصوصًا في ميادين القتال الحديثة، مثل الحرب الدائرة في أوكرانيا، وهو ما زاد من المخاوف من انتقال هذه الأساليب إلى الجريمة المنظمة.
تباين الروايات بشأن إغلاق مطار إل باسو
قال وزير النقل الأمريكي، شون دافي، المسؤول عن الإشراف على إدارة الطيران الفيدرالية، إن رصد طائرة مسيّرة تابعة لعصابة مكسيكية داخل الأجواء الأمريكية استدعى فرض حظر على حركة الطيران في مطار إل باسو، موضحًا أن الإغلاق كان مقررًا أن يستمر عشرة أيام قبل أن يتم تقليصه لاحقًا إلى سبع ساعات فقط.
في المقابل، نفى مسؤولون حكوميون وشركات طيران، تحدثوا دون الكشف عن هوياتهم، صحة رواية دافي، مؤكدين أن إدارة الطيران الفيدرالية أغلقت المجال الجوي بدافع القلق من اختبارات يجريها الجيش الأمريكي لنظام مضاد للطائرات المسيّرة يعمل بتقنية الليزر في منطقة قريبة، مشيرين إلى أن هذه الاختبارات قد تشكل خطرًا على سلامة الطيران المدني. كما أوضح خبراء في مجال الطيران أن رصد طائرة مسيّرة قرب أي مطار يؤدي عادة إلى تعليق مؤقت للرحلات، وليس إلى إغلاق مطوّل.
ولم يصدر تعليق فوري من مكتب الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم بشأن هذه التطورات، فيما قالت شينباوم، صباح الأربعاء، إن حكومتها لا تملك معلومات تؤكد وجود تحركات لطائرات مسيّرة على امتداد الحدود مع الولايات المتحدة. من جانبها، ذكرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "لا يستبعد أي خيار"، ردًا على سؤال حول ما إذا كانت الطائرات المسيّرة التابعة لعصابات المخدرات تمثل مصدر توتر في العلاقات الثنائية.
"اختراق أمني لا هجوم عسكري"
وأوضحت خبيرة الأمن الدولي فاندا فيلباب براون أن العصابات الإجرامية في المكسيك تعتمد على طائرات مسيّرة تجارية منخفضة التكلفة منذ أكثر من عشر سنوات، لاستخدامها في أعمال الاستطلاع ونقل البضائع غير المشروعة. وأضافت أن بساطة هذه التقنية لم تمنعها من التسبب في سقوط ضحايا داخل المكسيك. وبيّنت أن بعض أكبر التنظيمات الإجرامية، وعلى رأسها كارتل خاليسكو للجيل الجديد، عمدت إلى تزويد طائرات مسيّرة متاحة في الأسواق بقنابل محلية الصنع أو عبوات متفجرة، واستخدمتها في استهداف قوات الأمن والمدنيين، لا سيما في مناطق وسط البلاد، مثل ولاية ميتشواكان.
وعلى الحدود مع الولايات المتحدة، تتركز استخدامات الطائرات المسيّرة، بحسب الخبراء، في إسقاط شحنات مخدرات من الجو أو مراقبة تحركات حرس الحدود الأمريكي لتفاديهم أثناء عمليات التهريب. وأفادت وزارة الدفاع الأمريكية بوقوع أكثر من ألف عملية اختراق بطائرات مسيّرة شهريًا على طول الحدود المشتركة، مؤكدة في الوقت ذاته عدم تسجيل أي هجوم نفذته عصابات المخدرات المكسيكية باستخدام طائرات مسيّرة داخل الأراضي الأمريكية أو ضد قوات إنفاذ القانون.
وقال سكوت براون، المسؤول السابق في قسم التحقيقات الأمنية الداخلية بولاية أريزونا، إن ما يجري "يُصنّف كاختراق أمني وليس هجومًا"، مشددًا على وجود فارق واضح بين الحالتين. وأشار إلى أن السلطات في البلدين تكثف تعاونها لمواجهة هذا التحدي، لافتًا إلى اجتماع عقد مؤخرًا بين مسؤولين من ولاية نيو مكسيكو الأمريكية وولاية تشيهواهوا المكسيكية لمناقشة المخاطر المرتبطة بتزايد استخدام الطائرات المسيّرة.
بين التهديد الأمني والحسابات السياسية
يأتي إغلاق المجال الجوي في ظل تصريحات متكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعرب فيها عن رغبته في استخدام القوة العسكرية ضد عصابات المخدرات المكسيكية، التي يتهمها بالسيطرة على أجزاء واسعة من المكسيك.
في المقابل، حذّرت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم من أن أي تحرك أمريكي منفرد داخل الأراضي المكسيكية سيمثل انتهاكًا خطيرًا للسيادة الوطنية، مؤكدة أن ذلك يتجاوز الخطوط الحمراء. واستحضرت شينباوم، في تصريحات سابقة خلال نوفمبر، تاريخ الحرب المكسيكية الأمريكية في القرن التاسع عشر، قائلة إن آخر تدخل أمريكي في المكسيك انتهى بفقدان البلاد نصف أراضيها.
ومع تصاعد تحذيرات إدارة ترامب من الطائرات المسيّرة التابعة للكارتلات باعتبارها تهديدًا مباشرًا، أعرب سكوت براون عن مخاوفه من توظيف هذه التطورات كذريعة لتبرير تحرك عسكري أمريكي. وكان مدير برنامج مكافحة الطائرات بدون طيار في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، ستيفن ويلوبي، قد قال في شهادة أمام الكونغرس في يوليو الماضي إن استهداف الأمريكيين أو قوات إنفاذ القانون في المناطق الحدودية "مسألة وقت".
في المقابل، رفض الخبير الأمني المكسيكي كارلوس بيريز ريكارت هذا الطرح، مؤكدًا عدم وجود أدلة تشير إلى نية عصابات المخدرات مهاجمة الولايات المتحدة باستخدام طائرات مسيّرة، معتبرًا أن مثل هذا السيناريو غير منطقي بالنسبة لتلك الجماعات. وأضاف أن الترويج لمثل هذه الروايات يخدم، في نظره، أهدافًا سياسية داخلية، ويوفر مبررًا لتصعيد عسكري محتمل.
اقرأ أيضًا:
بعد فنزويلا.. خريطة الأهداف المحتملة لترامب
لماذا تعتبر تايوان مهمة للولايات المتحدة؟
سكان كوبا تحت الحصار مع تزايد القبضة الأمريكية الخانقة.. ماذا يحدث هناك؟













