ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصعيده بشأن جزيرة غرينلاند بعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام، في موقف أعاد توتير علاقاته مع أوروبا وفتح الباب أمام مواجهة تجارية جديدة مع الاتحاد الأوروبي. وقال ترامب إنه لم يعد يركز حصرًا على منطق السلام، في إشارة إلى أن تجاهله من قبل لجنة نوبل أثّر على مقاربته للملفات الدولية.
وفي مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز"، رفض ترامب توضيح ما إذا كان مستعدًا لاستخدام القوة من أجل السيطرة على غرينلاند، لكنه شدد في المقابل على إمكانية فرض رسوم جمركية واسعة على دول أوروبية إذا فشلت المفاوضات، ما اعتُبر تصعيدًا مباشرًا في النزاع المتصاعد حول مستقبل الجزيرة.
قلق في الأسواق الأوروبية
وخلال الأسابيع الأخيرة، كثّف ترامب ضغوطه لانتزاع غرينلاند من السيادة الدنماركية، رغم أن كوبنهاغن عضو في حلف شمال الأطلسي، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى دراسة خيارات الرد، بما في ذلك إجراءات اقتصادية مضادة. ويرى مراقبون أن هذا الخلاف يهدد تماسك "الناتو"، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة أصلًا بسبب الحرب في أوكرانيا ومواقف ترامب السابقة المشروطة بالدفاع عن الحلفاء مقابل زيادة إنفاقهم العسكري.
وأثارت تصريحات ترامب مخاوف واسعة في الأوساط الصناعية الأوروبية، وتسببت في اضطرابات بالأسواق المالية، وسط قلق المستثمرين من عودة أجواء الحرب التجارية التي اندلعت عام 2025، ولم تهدأ إلا بعد التوصل إلى تسويات جمركية في منتصف ذلك العام.
وكشفت الحكومة النرويجية، يوم الاثنين، عن رسالة نصية بعث بها ترامب يوم الأحد إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، قال فيها إن بلاده لم تمنحه جائزة نوبل للسلام رغم ما وصفه بوقفه "ثماني حروب"، مضيفًا أنه لم يعد يشعر بأنه ملزم بالنظر إلى القضايا الدولية من زاوية السلام فقط، مع تأكيده أن مصالح الولايات المتحدة ستظل أولوية.
وكان ستوره قد وجّه، إلى جانب الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، رسالة أولية دعا فيها إلى خفض التصعيد، قبل أن يتلقى ردًا من ترامب بعد أقل من ثلاثين دقيقة. وجاء ذلك بعد إعلان لجنة نوبل منح جائزة السلام لعام 2025 لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، ما أثار غضب الرئيس الأمريكي. وفي الرسالة نفسها، كرر ترامب اتهاماته للدنمارك بعدم قدرتها على حماية غرينلاند من نفوذ روسيا أو الصين، متسائلًا عن أساس "حق الملكية" على الجزيرة، ومشددًا على أن الأمن العالمي، من وجهة نظره، يقتضي سيطرة أميركية كاملة على الإقليم.
ترامب يلوّح بالرسوم الجمركية
وتعهد ترامب، يوم السبت، بفرض حزمة تصاعدية من الرسوم الجمركية اعتبارًا من الأول من فبراير على واردات قادمة من دول أوروبية تشمل الدنمارك والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا، إضافة إلى بريطانيا والنرويج، ما لم يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند، التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة.
من جانبه، قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، خلال زيارة إلى لندن، إن العالم في عام 2026، ويمكن للدول أن تتبادل التجارة، لكنها لا تتاجر بالشعوب. وفي السياق ذاته، أكد رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، عبر منشور على "فيسبوك"، أن الإقليم يجب أن يقرر مستقبله بنفسه، مشددًا على رفض أي ضغوط والتمسك بالحوار واحترام القانون الدولي.
وفي تطور ميداني، أعلن الجيش الدنماركي أن قواته ستنتشر في منطقة كانجيرلوسواك غرب غرينلاند، ضمن مناورة عسكرية تحمل اسم "القدرة على التحمل في القطب الشمالي"، وفق ما نقلته وكالة "رويترز".
الاتحاد الأوروبي يدرس إجراءات مضادة
على الصعيد الدبلوماسي، أعلن رئيس الوزراء النرويجي أنه سيعدل برنامجه للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بالتزامن مع حضور ترامب المرتقب، فيما أكد وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي أن موقف بلاده من غرينلاند لن يتغير. كما قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إنه يسعى للقاء ترامب، محذرًا من أن النزاع التجاري غير مرغوب فيه، لكنه شدد على قدرة أوروبا على الرد إذا فُرضت تعريفات غير مبررة.
في المقابل، اعتبر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن أي رد أوروبي مماثل سيكون "غير حكيم للغاية"، نافيًا أن يكون موقف ترامب مرتبطًا بجائزة نوبل، ومؤكدًا أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى غرينلاند بوصفها موقعًا استراتيجيًا حيويًا للولايات المتحدة.
ومن المقرر أن يعقد قادة الاتحاد الأوروبي قمة طارئة في بروكسل يوم الخميس لمناقشة الخيارات المتاحة، من بينها إعادة تفعيل رسوم جمركية على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو، أو اللجوء إلى «أداة مكافحة الإكراه» التي قد تقيد الاستثمارات والخدمات، بما في ذلك القطاعات الرقمية التي تحقق فيها الولايات المتحدة فائضاً تجارياً.
وأكد الاتحاد الأوروبي أنه يواصل التواصل مع واشنطن على مختلف المستويات، مع عدم استبعاد استخدام أدوات إضافية، فيما دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى تهدئة النقاش بين الحلفاء، معربًا عن اعتقاده بأن ترامب لا يخطط لعمل عسكري للسيطرة على غرينلاند. أما روسيا، فامتنعت عن التعليق على نوايا الولايات المتحدة، مكتفية بالقول إن من الصعب معارضة خبراء يرون أن ترامب قد "يدخل التاريخ العالمي" في حال سيطر على الجزيرة.
اقرأ أيضًا:
من ينقذ حلف الناتو من ترامب مع تصاعد طموحاته تجاه غرينلاند؟
"غوتيريش" يشن هوجمًا لاذعًا على سياسات أمريكا الدولية
لماذا تراجع ترامب عن الضربة العسكرية ضد إيران؟











