على الرغم من موجات الاحتجاج المتكررة التي تشهدها إيران منذ سنوات، والضغوط الخارجية المتزايدة، لا يزال النظام الإيراني المتمثل في المؤسسة الدينية الحاكمة متماسكًا إلى حد كبير، دون مؤشرات واضحة على انقسام داخلي في النخبة الأمنية أو السياسية قد يفضي إلى سقوط النظام.
ويشير محللون ودبلوماسيون إلى أن هذا التماسك، رغم ما يعتريه من ضعف، يظل أحد أبرز أسباب بقاء الجمهورية الإسلامية كواحدة من أكثر الأنظمة صموداً في العالم.
ضغوط داخلية وخارجية بلا اختراق حاسم
تواجه طهران في الوقت الراهن مزيجاً غير مسبوق من الضغوط، فمن جهة، تتصاعد الاحتجاجات الشعبية على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، قبل أن تتحول إلى معارضة مباشرة للحكم الديني.
ومن جهة أخرى، تلوّح الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بخيارات عسكرية واقتصادية رداً على حملة القمع العنيفة التي شنتها السلطات الإيرانية، والتي جاءت بعد ضربات إسرائيلية وأمريكية استهدفت البرنامج النووي الإيراني ومسؤولين بارزين.
ورغم ذلك، يرى دبلوماسيان ومصدران حكوميان في الشرق الأوسط، إلى جانب محللين، أن غياب الانشقاقات داخل القيادة العليا أو الأجهزة الأمنية يجعل من المرجح استمرار النظام، حتى وإن بدا أكثر إنهاكاً من أي وقت مضى.
أرقام الضحايا وروايتان متناقضتان
تشير تقديرات رسمية إيرانية إلى مقتل نحو ألفي شخص خلال الاحتجاجات، مع تحميل السلطات ما تصفهم بـ"الإرهابيين" مسؤولية سقوط الضحايا من المدنيين وعناصر الأمن.
في المقابل، تقول منظمات حقوقية، من بينها منظمة "هرانا" ومقرها الولايات المتحدة، إن عدد القتلى لا يقل عن 573 شخصاً، غالبيتهم من المتظاهرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 10 آلاف شخص، ولم تصدر طهران حتى الآن حصيلة رسمية نهائية، بينما لم تتمكن جهات مستقلة من التحقق من الأرقام.
البنية الأمنية… العمود الفقري للنظام الإيراني
يؤكد ولي نصر، الأكاديمي الإيراني الأمريكي وخبير شؤون الشرق الأوسط، أن سر تماسك النظام الإيراني يكمن في بنيته الأمنية متعددة الطبقات، فالحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج شبه العسكرية، التي يُقدّر عدد أفرادها مجتمعين بنحو مليون شخص، يشكلون شبكة معقدة من الولاءات والمصالح تجعل أي ضغط خارجي أو داخلي غير كافٍ ما لم يترافق مع انقسام داخلي حاد.
ويقول نصر إن إسقاط النظام يتطلب استمرار الاحتجاجات لفترة أطول، وحدوث تفكك حقيقي في مؤسسات الدولة، ولا سيما انشقاق قطاعات من الأجهزة الأمنية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
تاريخ من النجاة السياسية
المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، نجا من عدة موجات اضطرابات منذ توليه السلطة، ويرى بول سالم، من معهد الشرق الأوسط، أن الاحتجاجات الحالية تمثل الانتفاضة الكبرى الخامسة منذ عام 2009، وهو ما يعكس قدرة النظام على الصمود حتى في ظل أزمات داخلية عميقة لم تُحل جذرياً.
أما الدبلوماسي الأمريكي السابق آلان آير، فيشير إلى أن تغيير موازين القوى يتطلب من المتظاهرين توليد زخم كافٍ لتجاوز المزايا البنيوية للنظام، مثل قوة المؤسسات، ووجود قاعدة شعبية لا تزال موالية للحكم الديني، مع عدد سكان يناهز 90 مليون نسمة.
بقاء بلا استقرار
ورغم هذا الصمود، يحذر المحللون من الخلط بين البقاء والاستقرار، فالجمهورية الإسلامية تواجه واحداً من أخطر التحديات منذ تأسيسها عام 1979، لأن العقوبات الدولية خنقت الاقتصاد، ولا يوجد مسار واضح للتعافي.
كما أن البرنامج النووي يواجه ضغوطاً متزايدة، في وقت تتعرض فيه طهران لضربات استراتيجية من إسرائيل والولايات المتحدة، بينما تعاني الجماعات المسلحة المرتبطة بها في المنطقة من إنهاك شديد في لبنان وسوريا وغزة، ويرى ولي نصر أن النظام لم يصل بعد إلى "لحظة السقوط"، لكنه يواجه مستقبلاً بالغ الصعوبة.
ترامب والتلويح بخيارات التدخل
ما يميز المرحلة الحالية، بحسب المحللين، هو تهديدات ترامب الصريحة بإمكانية التدخل إذا استمر قتل المتظاهرين، وأكد مسؤول أمريكي أن الرئيس يدرس الخيارات المتاحة بالتشاور مع كبار مستشاريه، في وقت تُبقي فيه إيران قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن، رغم تصعيد التهديدات بفرض رسوم جمركية على الدول التي تتاجر مع طهران، وعلى رأسها الصين.
كما ناقش مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون، بحسب مصادر مطلعة، سيناريوهات التدخل المحتمل، وسط حديث متزايد عن ما يُعرف بـ"النموذج الفنزويلي"، الذي يقوم على إزاحة رأس السلطة مع الإبقاء على مؤسسات الدولة مقابل تعاونها.
عقبات التدخل ومخاطره
لكن تطبيق هذا النموذج في إيران يواجه عقبات هائلة، أبرزها تماسك الدولة الأمنية، وتعقيد التركيبة العرقية والطائفية، واحتمال انزلاق البلاد إلى انقسامات خطيرة، خاصة في المناطق الكردية والبلوشية السنية.
ويرى خبراء أن أي تحرك أمريكي، إن حصل، سيكون على الأرجح سريعاً وعالي التأثير، مثل ضربات محدودة أو ضغط اقتصادي وتقني، بدلاً من تدخل عسكري واسع، ومع ذلك، تبقى المخاطر جسيمة، ولا يزال الغموض سيد الموقف بشأن نوايا واشنطن الحقيقية.
يمكنك أن تقرأ أيضًا:
إيران بين الغضب الشعبي والضغوط الدولية.. كيف تصرفت الحكومة؟














