تتجه الأنظار حاليًا إلى موقف سكان غرينلاند من الانضمام إلى الولايات المتحدة والذي بات محور اهتمام متزايد على الساحة الدولية، وسط جدل سياسي متكرر حول سيادة الجزيرة ومستقبلها. ويواجه السكان المحليون ضغوطًا خارجية متباينة، ما جعل مسألة الانضمام لأي قوة كبرى موضوعًا حساسًا يثير النقاش على المستويات الشعبية والسياسية على حد سواء.

الموقف الشعبي لسكان غرينلاند

أظهرت نتائج استطلاع رأي موثوق أُجري في يناير 2025 أن نحو 85% من سكان غرينلاند يعارضون أي فكرة لانضمام جزيرتهم إلى الولايات المتحدة، في حين أبدى 6% فقط تأييدهم لهذه الخطوة، و9% لم يحسموا موقفهم بعد. وتعكس هذه الأرقام رفضًا شعبيًا واسعًا لفكرة "البيع" أو الانتقال للسيادة الأمريكية، مؤكدين أن مستقبل الجزيرة يجب أن يحدده سكانها أنفسهم بعيدًا عن أي ضغوط خارجية.

ويشير الاستطلاع، الذي أجرته شركة استطلاعات الرأي Verian، بتكليف من صحيفة Berlingske الدنماركية، إلى أن الغالبية العظمى من السكان تفضل الاستقلال الكامل عن الدنمارك أو الحفاظ على الوضع الحالي، مما يضع أي نقاش حول الانضمام للولايات المتحدة خارج الحسابات الشعبية والسياسية. ويُظهر المزاج العام أن الغرينلنديين ينظرون إلى أي حديث عن السيطرة الأمريكية على جزيرتهم على أنه تهديد مباشر لهويتهم الوطنية وحقهم في تقرير المصير.

تصريحات القادة الحكوميين في غرينلاند

على صعيد القيادة الرسمية، شدد رئيس وزراء غرينلاند السابق الذي شغل المنصب بين 2021 و2025، موتي إيجيدي، على أن الجزيرة ليست للبيع، وأن أي قرار بشأن مستقبلها يجب أن ينبع من إرادة شعبها وحده. وأضاف أن فكرة الانضمام إلى الولايات المتحدة مرفوضة بشكل قاطع، وأن الغرينلنديين ليسوا مستعدين للتخلي عن سيادتهم أو هويتهم الوطنية.

ولم تقتصر المواقف الرسمية على رئيس الوزراء، بل أكد قادة الأحزاب البرلمانية أن أي محاولة للسيطرة الأمريكية أو الضم تعتبر غير مقبولة لأصدقاء وحلفاء في تحالف الدفاع. كما كررت الحكومة الغرينلندية موقفها الدبلوماسي بأن البلاد منفتحة على الأعمال والاستثمار الدولي، لكنها ليست للبيع، وهو موقف ثابت تعتمده السلطات منذ عدة سنوات للتأكيد على استقلالية القرار الداخلي للجزيرة.

وأبرزت تصريحات وزيرة خارجية غرينلاند، آن لون باغر، أن البلاد مستعدة للتعاون الاقتصادي مع أي دولة، لكنها لن تتنازل عن سيادتها تحت أي ظرف. كما أعرب نواب برلمانيون، مثل آجا كيمنيتز لارسن من حزب إنويت أتاقاتيجيت، أن غالبية سكان الجزيرة يرفضون الانضمام للولايات المتحدة، مشيرين إلى أن أي محاولات للسيطرة الأمريكية قد تؤدي إلى انهيار نظام الرفاه الاجتماعي وإحداث تغييرات جذرية في المجتمع المحلي.

لماذا يرفض الغرينلنديون الانضمام لأمريكا؟

تشير التقارير الاقتصادية والسياسية إلى أن الغرينلنديين يفضلون شراكة مع الدنمارك لعدة أسباب عملية منها: تقديم الدنمارك منحة سنوية تقارب 500 مليون دولار، تمثل نحو نصف الميزانية العامة لغرينلاند، وهو دعم مالي أساسي للحياة اليومية والخدمات العامة. إلى جانب اعتماد السكان على نظام الرفاه الاجتماعي الدنماركي الذي يشمل التعليم المجاني والرعاية الصحية، ما يجعلهم مترددين في التخلي عن هذا الدعم والانتقال إلى النظام الأمريكي المختلف.

من ناحية أخرى، يدرك السكان أن الانضمام للولايات المتحدة قد يغير البنية الاجتماعية والاقتصادية للجزيرة، ويعرض المجتمع المحلي لتحديات غير محسوبة. وبالتالي، يظهر واضحًا أن رفض الانضمام ليس مجرد موقف رمزي، بل يرتبط بضرورة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للجزيرة.

التنافس على النفوذ في غرينلاند

تأتي هذه المواقف الشعبية والسياسية في سياق تصريحات أمريكية متكررة حول رغبة الولايات المتحدة في الاستحواذ على غرينلاند. إذ أعاد الرئيس دونالد ترامب طرح الفكرة أكثر من مرة، معتبرًا أن الجزيرة ذات أهمية استراتيجية حيوية للولايات المتحدة، وادعى أن سكانها "يريدون الانضمام" إلى بلاده.

ومع ذلك، كشفت البيانات الرسمية والاستطلاعات أن هذا الطرح يبتعد عن الواقع داخل الجزيرة، حيث يرى السكان أن مستقبلهم لا يكمن في الانضمام للولايات المتحدة، بل في الحفاظ على وضعهم الحالي أو السعي نحو استقلال أوسع تحت سيطرتهم الذاتية. وأكدت مصادر برلمانية أن أي نقاش عن البيع أو الانضمام لا يمثل حتى خيارًا انتخابيًا، إذ لا يوجد أي حزب أو مرشح يدعم هذا الخيار، ما يجعل رفض الانضمام موقفًا متفقًا عليه سياسيًا وشعبيًا.

ويمثل رفض الانضمام لأمريكا جانبًا من الهوية الوطنية للغرينلنديين. فبالنسبة للسكان، أي نقاش عن السيطرة الأمريكية يُعتبر مساسًا بحقهم في تقرير المصير، وليس مجرد مسألة سياسية أو اقتصادية. ويصر السكان والقادة المحليون على أن غرينلاند ملكية لشعبها وحده، وأن أي تعاون مع الولايات المتحدة يجب أن يكون ضمن حدود الاقتصاد أو الأمن، دون المساس بالاستقلالية أو الهوية الوطنية.

اقرأ أيضًا:
أوروبا تعدّ خطة لمجابهة غزو غرينلاند المحتمل
ترامب وغرينلاند.. محطات رئيسية في حرب التصريحات المتبادلة
لماذا أصبحت غرينلاند قلب التنافس الاستراتيجي؟