تتسارع التحركات الدبلوماسية في العواصم الأوروبية لبلورة استراتيجية موحدة تهدف لمجابهة طموحات واشنطن المتصاعدة تجاه غرينلاند، في وقت يزداد فيه القلق من تحول التهديدات اللفظية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى واقع عسكري ملموس.

وتقود باريس وبرلين جهودًا حثيثة لتنسيق رد أوروبي حازم في حال أقدمت الولايات المتحدة على أي خطوة أحادية الجانب للسيطرة على الجزيرة القطبية، وهو السيناريو الذي بات يوصف في أروقة بروكسل بـ "الزلزال" الذي قد ينهي وحدة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وتأتي هذه التحركات الأوروبية في أعقاب تصريحات متتالية من البيت الأبيض تؤكد أن الاستحواذ على غرينلاند يمثل "أولوية قصوى للأمن القومي الأمريكي".

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يسعى القادة الأوروبيون لقطع الطريق على أي محاولة لفرض "أمر واقع" جديد في القطب الشمالي، معتبرين أن السيادة على أراضي المملكة الدنماركية ليست قابلة للتفاوض أو البيع تحت ضغوط القوة الغاشمة.

تنسيق أوروبي لحماية سيادة غرينلاند

أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أن بلاده تعمل بشكل وثيق مع ألمانيا وبولندا لضمان تحرك أوروبي جماعي لحماية غرينلاند من أي أطماع خارجية.

وأكد بارو في تصريحات صحفية أن باريس تسعى لاتخاذ إجراءات مشتركة مع شركائها الأوروبيين، مشددًا على أن أي اعتداء عسكري أمريكي على حليف في الناتو سيعني انهيار منظومة الأمن العالمي التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الموقف الذي شاركته فيه برلين عبر تأكيدها العمل المكثف مع الدنمارك لتحديد الخطوات القادمة.

وتعززت هذه الجبهة الأوروبية بصدور بيان مشترك وقعه قادة المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا، أكدوا فيه أن غرينلاند ملك لشعبها، وأن الدنمارك وحدها هي صاحبة الحق في البت في شؤونها السيادية.

ووجه البيان رسالة واضحة لواشنطن بضرورة الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على حرمة الحدود وسلامة الأراضي، محذرًا من أن الانفراد الأمريكي بالقرار القطبي سيؤدي إلى عزلة دولية وصدع لا يمكن جبره في التحالف الغربي.

خيارات واشنطن تجاه غرينلاند

أثار البيت الأبيض قلقًا عالميًا واسعًا عندما أكد مناقشة "مجموعة من الخيارات" للاستحواذ على الجزيرة، ولم يستبعد المتحدثون الرسميون استخدام القوات العسكرية لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.

وبرزت مخاوف جدية في "نوك" وكوبنهاغن من تكرار "السيناريو الفنزويلي" في القطب الشمالي، خاصة بعد العملية العسكرية الأمريكية الخاطفة التي أدت لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وهو ما دفع المسؤولين في الدنمارك للمطالبة بلقاء عاجل مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لتهدئة المخاوف المتزايدة.

ورغم محاولات بعض الدبلوماسيين الأمريكيين، مثل روبيو، استبعاد فكرة الغزو المباشر والتركيز على خيار "الشراء" أو "الارتباط الحر"، إلا أن خطاب ترامب لا يزال يتسم بالحدة، حيث وصف الجزيرة بأنها "صفقة عقارية ضخمة" لا غنى عنها لمواجهة النفوذ الصيني والروسي.

وزاد من حرج الموقف تصريح وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أمام الكونغرس بأن البنتاغون يمتلك بالفعل "خططاً لأي طارئ" يتعلق بالسيطرة على غرينلاند، مما يؤكد أن الخيار العسكري ليس مجرد مناورة سياسية بل خطة موضوعة على الرفوف بانتظار ساعة الصفر.

نزاع الموارد يثير قلقًا بشأن مستقبل غرينلاند

تتذرع واشنطن في مطالبها بوجود نشاط مكثف لسفن صينية وروسية في المياه المحيطة بغرينلاند، وهو ما تنفيه الدنمارك جملة وتفصيلًا مستندة إلى بيانات تتبع السفن العالمية التي لا تظهر أي وجود غير طبيعي لهذه القوى.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، أن الصورة التي ترسمها الإدارة الأمريكية حول "محاصرة" الجزيرة باستثمارات صينية هي صورة غير دقيقة وتهدف فقط لتبرير التمدد الأمريكي، مؤكدًا أن الجزيرة تظل تحت حماية سيادية كاملة من قبل القوات الدنماركية وحلف الناتو.

وتعد الثروات المعدنية الهائلة، وخاصة العناصر الأرضية النادرة التي تنكشف مع ذوبان الجليد، المحرك الحقيقي وراء هذا الصراع المحموم، حيث تسعى واشنطن لكسر الاحتكار الصيني لهذه المواد الحيوية للصناعات العسكرية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، ترى مراكز الأبحاث الأوروبية أن غرينلاند تحولت من مجرد منطقة متجمدة نائية إلى قلب الصراع الجيوسياسي القادم، مما يتطلب استراتيجية حماية لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل استثمارات أوروبية ضخمة تمنع تغلغل النفوذ الأمريكي أو الصيني تحت ذريعة التنمية الاقتصادية.

الموقف الشعبي والمقاومة المدنية في غرينلاند

يعبر سكان الجزيرة الأصليون، "الإنويت"، عن رعب حقيقي من الخطاب الأمريكي المتزايد، إذ يرفضون بشدة فكرة أن يعاملوا كـ "سلعة" يمكن المطالبة بها أو مقايضتها بالمال.

وصرح مواطنون من مدينة إيلوليسات لوسائل إعلام دولية بأن الحديث عنهم وكأنهم ملكية خاصة للولايات المتحدة هو إهانة لكرامتهم وتجاهل لقرون من التاريخ المستقل فوق هذه الأرض، مؤكدين أن اسم بلادهم "كالاليت نونات" يعني بوضوح "أرض الشعب الغرينلاندي" وليس قاعدة عسكرية لأي قوة عظمى.

وتشير استطلاعات الرأي المحلية إلى معارضة كاسحة للانضمام إلى الولايات المتحدة، رغم وجود رغبة تاريخية في الاستقلال عن الدنمارك في نهاية المطاف.

ويرى قادة الجزيرة أن الضغوط الأمريكية الحالية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث توحد الغرينلانديين والدنماركيين والشركاء الأوروبيين خلف رؤية مشتركة ترفض "الضم القسري" وتتمسك بالقانون الدولي، مما يجعل من أي محاولة أمريكية للسيطرة على غرينلاند بالقوة مهمة شبه مستحيلة في ظل وجود جبهة داخلية وخارجية صلبة تدافع عن شرعية الحكم الذاتي القائم.

مستقبل الناتو في ظل التهديد لغرينلاند

حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، من أن أي اعتداء أمريكي على أراضيها سيشكل "رصاصة الرحمة" لحلف شمال الأطلسي، إذ لا يمكن تخيل بقاء حلف عسكري يقوم على الدفاع المشترك إذا قام أحد أعضائه بغزو عضو آخر.

وتؤكد فريدريكسن أن هذه القضية لم تعد شأنًا ثنائيًا بين كوبنهاغن وواشنطن، بل هي اختبار حقيقي لمصداقية الغرب ككتلة ديمقراطية تلتزم بسيادة القانون، مشيرة أن العالم يراقب كيف سيتعامل "زعيم العالم الحر" مع حلفائه المخلصين الذين أظهروا ولاءهم لواشنطن لعقود طويلة.

وتستعد بروكسل لمناقشة هذا الملف في اجتماع مجلس شمال الأطلسي المقبل، وسط دعوات من فنلندا ودول أخرى لضرورة "إعادة الولايات المتحدة إلى جادة الصواب" ومنعها من تجاهل الخطط المشتركة لتحقيق طموحات سلطوية فردية.

وفي ظل هذا التصعيد، يظل الخيار الاقتصادي هو السلاح الأبرز في يد الاتحاد الأوروبي لمجابهة أي تحرك أمريكي، حيث لوحت بعض العواصم بفرض عقوبات تجارية غير مسبوقة ردًا على أي تهديد لسلامة أراضي غرينلاند، مما قد يشعل حربًا تجارية عالمية لا يستطيع أي من الأطراف تحمل نتائجها الكارثية على سلاسل التوريد والنمو الاقتصادي.