هل يستطيع تحليل الحمض النووي (DNA) تحديد الوجبات المناسبة لكل شخص ومساعدته على خسارة الوزن والتخلص من عاداته الغذائية غير المرغوبة؟.. تكشف مجلة الجمعية الطبية الأمريكية JAMA عام 2018، عن تجربة سريرية أظهرت تأثير النمط الجيني في النظام الغذائي؛ إذ أجريت التجربة على نظام غذائي منخفض الدهون مقابل النظام الغذائي منخفض الكربوهيدرات وانعكاس ذلك على فقدان الوزن خلال 12 شهرًا لدى البالغين الذين يعانون من زيادة الوزن.
ومع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة السريرية لا تسمح حتى الآن باعتبار هذا الوعد حقيقة محسومة، تابع الباحثون 609 بالغين يعانون زيادة الوزن أو السمنة، كما اختبروا ما إذا كانت أنماط جينية محددة أو مستويات إفراز الإنسولين تتنبأ باستجابة أفضل لأحد النظامين.
تغير ضعيف
وجاء متوسط خسارة الوزن في مجموعة النظام منخفض الدهون نحو 5.3 كيلوجرامات، مقابل 6 كيلوجرامات لدى النظام منخفض الكربوهيدرات. ولم يجد الباحثون اختلافًا ذا دلالة إحصائية في خسارة الوزن بين النظامين، كما لم يجدوا تفاعلًا ذا دلالة بين النمط الجيني والنظام الغذائي يفسر اختلاف الاستجابة.
هذه النتيجة، حسب نفس الدراسة، لا تعني أن الجينات لا تؤثر في الوزن أو الاستجابة للطعام، لكنها تشير إلى أن المتغيرات التي اختبرتها الدراسة لم تتمكن من تحديد النظام الذي يحقق خسارة أكبر في الوزن لدى المشاركين.
وتدعم ذلك مراجعة منهجية نشرتها أكاديمية التغذية وعلم التغذية الأمريكية عام 2021، تناولت تأثير إدخال نتائج الاختبارات الجينية في الإرشاد الغذائي. وخلصت المراجعة إلى أن جودة الأدلة المتاحة كانت ضعيفة، وأن المعلومات العلمية لم تكن كافية لتحديد ما إذا كان إدماج هذه الاختبارات يحسن النتائج الغذائية والصحية بصورة موثوقة. ويمكن الاطلاع على ملخص المراجعة المنشور في PubMed، عن دمج الاختبارات الجينية في الرعاية التغذوية.
علم النفس السلوكي: تداخل العوامل
على جانب آخر، يتناول علم النفس السلوكي وجهًا آخر للمشكلة بعيدًا عن نتائج DNA، وهو أن معرفة ما ينبغي فعله لا تعني بالضرورة القدرة على فعله باستمرار.
وبين الاستعدادات البيولوجية والعادات المكتسبة، تتشكل اختيارات الإنسان اليومية بفعل تداخل عوامل لا يمكن اختزالها في الجينات وحدها، إذ لا تتشابه استجابة الأجسام للأطعمة بالضرورة، حتى عندما يتبع أصحابها النظام الغذائي نفسه
هل يستطيع تحليل الجينات تحديد النظام الغذائي المناسب؟
تعتمد فكرة التغذية الجينية (Nutrigenetics) على دراسة الاختلافات الوراثية التي قد تؤثر في استجابة الجسم للطعام، بينما تبحث التغذية الجينومية (Nutrigenomics) في العلاقة المتبادلة بين العناصر الغذائية والجينات. ويُستخدم المصطلحان أحيانًا بصورة متداخلة في المحتوى التجاري، رغم اختلاف نطاقهما العلمي.
ووفقًا لشرح نشره موقع News-Medical عن الحمية المعتمدة على الحمض النووي، تعتمد هذه الأنظمة على تحليل مناطق محددة من المادة الوراثية، ثم استخدام النتائج لاقتراح أنماط غذائية تتناسب مع الاختلافات الجينية التي جرى فحصها.
تبدأ العملية عادةً بجمع عينة من خلايا الفم باستخدام مسحة، أو عينة بيولوجية أخرى وفقًا لبروتوكول المختبر. بعد ذلك، يفحص الاختبار متغيرات جينية محددة، وتُفسر النتائج لإعداد تقرير عن بعض السمات المرتبطة بالتغذية والوزن.
لكن ما تكشفه هذه الاختبارات ليس صورة كاملة عن طريقة عمل الجسم، ولا قياسًا مباشرًا لكفاءة التمثيل الغذائي في لحظة إجراء الفحص. فوجود متغير جيني ارتبط في دراسات سابقة بصفة معينة لا يعني بالضرورة أن هذه الصفة ستظهر لدى كل شخص يحمله، أو أن تأثيرها سيكون كبيرًا بما يكفي لتحديد نظام غذائي بعينه.
وتوضح شركة DNA Life، التي تقدم اختبار DNA Diet، أن منتجها يفحص 20 متغيرًا جينيًا ترتبط، بحسب وصف الشركة، بموضوعات تشمل استهلاك الطاقة، والشهية، والإفراط في تناول الطعام، وحساسية التذوق، وحساسية الإنسولين، واستقلاب الدهون، والاستجابة للكربوهيدرات، وأنماط النوم والنشاط.
تُظهر هذه القائمة طبيعة المعلومات التي تسعى الاختبارات إلى جمعها، لكنها لا تثبت وحدها أن التوصيات الناتجة عنها تحقق خسارة أكبر في الوزن. فعدد المتغيرات التي يفحصها الاختبار، أو اتساع التقرير الذي يقدمه، لا يعوضان الحاجة إلى تجارب سريرية مستقلة تثبت الفائدة الصحية للتوصيات.
وتقدم Nordic Laboratories، التي تعرض اختبارًا من الفئة نفسها، توضيحًا مهمًا في وصفها للمنتج: النتائج تتعلق بالاختلافات الجينية المدروسة والارتباطات المنشورة عنها، ولا تحدد الحالة الفسيولوجية الحالية أو الوضع الغذائي الفعلي للشخص، كما أنها ليست بديلًا عن الفحوص الطبية ولا أداة مستقلة للتشخيص أو اتخاذ القرارات العلاجية.
تبدو الفكرة جذابة لمن جربوا أنظمة غذائية متعددة دون الوصول إلى نتائج مستدامة؛ فبدلًا من تجربة الحميات منخفضة الدهون أو الكربوهيدرات بالتتابع، قد يبدو أن اختبارًا واحدًا يستطيع اختصار الطريق إلى النظام الأكثر ملاءمة للجسم.
وفي مراجعة أخرى تناولت النتائج الصحية والقياسات المرتبطة بها، شملت 11 دراسة منشورة ناتجة عن تسع تجارب عشوائية، لم تُظهر التحليلات المجمعة فائدة واضحة للتوجيه الغذائي المعتمد على الجينات في مؤشرات مثل الوزن ومؤشر كتلة الجسم والكوليسترول الكلي والكوليسترول الضار. وأشار الباحثون إلى أن اختلاف الدراسات ومحدودية اليقين في الأدلة يمنعان استخلاص استنتاجات قوية، مع وجود نتائج إيجابية محدودة لبعض المؤشرات لدى مجموعات بعينها. تفاصيل المراجعة المنشورة في PubMed.
وبذلك، فإن السؤال العلمي ليس ما إذا كانت الجينات تؤثر في الاستجابة للغذاء، بل ما إذا كانت معرفة هذه الاختلافات تضيف فائدة عملية تتجاوز ما يمكن الوصول إليه من خلال تقييم التغذية والحالة الصحية والعادات اليومية بصورة مباشرة.
ما الذي لا تكشفه الجينات عن طعامك؟
تتأثر زيادة الوزن أو خسارته بمجموعة من العوامل، تشمل إجمالي الطاقة المتناولة، والنشاط البدني، والنوم، والأدوية، والحالة الصحية، والبيئة المحيطة، إلى جانب الاستعدادات الوراثية.
وقد تساعد بعض الاختلافات الجينية في تفسير جوانب من الشهية أو استقلاب بعض العناصر الغذائية، لكنها لا تحدد وحدها ما يأكله الشخص يوميًا، ولا مقدار الطعام الذي يتناوله، ولا مدى قدرته على الالتزام بخطة غذائية.
وتلفت مراجعة News-Medical إلى أن بعض الأنظمة المعتمدة على الجينات قد تقترح استبعاد مجموعات غذائية كاملة، وهو ما قد يكون ضارًا إذا نُفذ دون مبرر طبي واضح. كما أن الاختبار الجيني لا يقدم بمفرده صورة سريرية كاملة تشمل الأمراض والأدوية والحالة الغذائية الفعلية.
لذلك، لا ينبغي أن يؤدي تقرير جيني إلى الامتناع عن الكربوهيدرات أو الدهون أو منتجات الألبان أو الغلوتين بصورة تلقائية. فاستبعاد غذاء معين يحتاج إلى سبب صحي أو غذائي معتبر، وليس مجرد توصية تجارية مبنية على ارتباط وراثي محتمل.
وتظل الاستعانة باختصاصي تغذية مؤهل مهمة لتقييم الاحتياجات الفعلية، مع مراجعة التاريخ المرضي والفحوص المناسبة، بدلًا من التعامل مع النتيجة الجينية باعتبارها وصفة نهائية لا تقبل التعديل.
من الطعام إلى السلوك.. لماذا نكرر عادات لا نريدها؟
إذا كانت الجينات لا تفسر وحدها اختياراتنا الغذائية، فإن فهم السلوك اليومي يفتح بابًا آخر لتفسير سبب تكرار بعض التصرفات رغم رغبتنا في تغييرها.
قد يقرر شخص تقليل الحلويات، لكنه يجد نفسه يتناولها كل مساء بعد العودة إلى المنزل. وقد يضع آخر خطة لممارسة الرياضة، ثم يؤجلها مرارًا حتى نهاية اليوم. وفي الحالتين، لا يكفي أن يعرف الشخص ما ينبغي فعله كي ينفذه تلقائيًا.
وتشرح مراجعة Psychology of Habit، المنشورة في Annual Review of Psychology عام 2016، للباحثين ويندي وود ودينيس رونغر، أن العادات تتكون عندما يكرر الإنسان استجابة معينة في سياق متكرر. ومع الوقت، قد تصبح الإشارات المحيطة بالسلوك قادرة على استدعائه تلقائيًا، دون الحاجة إلى اتخاذ قرار واعٍ في كل مرة.
فالشخص الذي اعتاد تناول وجبة خفيفة أثناء مشاهدة التلفزيون قد يجد نفسه يبحث عن الطعام بمجرد الجلوس أمام الشاشة، حتى إذا لم يكن جائعًا. وقد يرتبط فتح الهاتف بتلقي إشعار، ثم يتحول إلى استجابة تلقائية عند الشعور بالملل أو الجلوس إلى المكتب.
لا يعني ذلك أن الإنسان فقد قدرته على الاختيار، وإنما أن السلوك المتكرر قد يصبح أقل اعتمادًا على التفكير الواعي وأكثر ارتباطًا بالمكان والتوقيت والإشارات المحيطة.
وفي مراجعة أحدث، نُشرت عام 2022، يوضح الباحثان باس فيربلانكن وشينا أوربل أن تغيير المواقف أو زيادة الاقتناع بأهمية سلوك ما لا يكفيان دائمًا لتغيير عادة راسخة. فقد يستمر السلوك لأن البيئة المحيطة تستدعيه بصورة متكررة، حتى عندما تتغير نوايا الشخص.
وهنا يظهر الفارق بين الاستعداد البيولوجي والعادة المكتسبة: قد تؤثر العوامل الوراثية في بعض جوانب الاستجابة للطعام، بينما تتشكل أنماط كثيرة من السلوك اليومي من خلال التكرار والارتباط بالسياق. ولا يصح افتراض أن كل عادة سببها الجينات، أو أن كل سلوك يمكن تغييره بمجرد قوة الإرادة.
كيف تتكون العادة؟ ولماذا لا يكفي تكرارها عدة أيام؟
تقدم دراسة How are habits formed: Modelling habit formation in the real world، المنشورة عام 2010 في المجلة الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي، تصورًا عمليًا لتكوين العادات في الحياة اليومية.
درس الباحثون كيفية تطور السلوك المتكرر إلى استجابة أكثر تلقائية، وأظهرت نتائجهم أن تكوين العادة يختلف من شخص إلى آخر ومن سلوك إلى آخر؛ فلا توجد مدة واحدة يمكن اعتبارها قاعدة ثابتة لاكتساب أي عادة.
وتعتمد العملية على تكرار السلوك في ظروف متقاربة، ووجود إشارة واضحة تساعد على استدعائه، وأن يكون السلوك قابلًا للتنفيذ ضمن الروتين اليومي. فممارسة المشي بعد الإفطار، مثلًا، قد تتحول تدريجيًا إلى جزء من بداية اليوم إذا ارتبطت بموعد ثابت وسياق يسهل تكراره.
أما الاعتماد على الحماس وحده، فيجعل استمرار السلوك أكثر عرضة للتقلبات اليومية. وقد يبدأ الشخص بخطة كبيرة تتطلب وقتًا وجهدًا يصعب الحفاظ عليهما، ثم يتوقف عندما تتغير ظروفه.
كيف تغيّر عادة واحدة دون الاعتماد على الإرادة وحدها؟
لا يتطلب تعديل السلوك تغيير نمط الحياة كله في وقت واحد. بل يمكن البدء بتحديد عادة واحدة، وفهم الظروف التي تسبقها، ثم استبدال الاستجابة القديمة بسلوك آخر يسهل تكراره.
إذا كان تناول الحلوى يرتبط بمشاهدة التلفزيون، يمكن تجربة تغيير ما يتناوله الشخص أثناء المشاهدة، أو عدم الاحتفاظ بالحلويات في متناول اليد. وإذا كان تأجيل المشي يرتبط بعدم تخصيص وقت له، يمكن ربطه بنشاط يومي ثابت، مثل الخروج بعد الإفطار أو العودة من العمل.
ويستحسن أن تكون الخطوة الجديدة محددة وقابلة للتنفيذ، بدلًا من وضع هدف عام مثل «سأصبح أكثر صحة». ويمكن صياغة خطة سلوكية بسيطة: «بعد الإفطار، سأمشي عشر دقائق». هنا يرتبط السلوك الجديد بإشارة موجودة بالفعل في الروتين اليومي.
لكن تكرار السلوك لا يعني أن التغيير سيحدث بالسرعة نفسها لدى الجميع، كما أن التعثر لا يعني فشل المحاولة. فالعادة القديمة قد تعود عند مواجهة ظروفها المعتادة، ويصبح رصد هذه الظروف جزءًا من عملية التغيير، لا دليلًا على انعدام القدرة عليه.







