تواجه أوكرانيا هذه الأيام تصعيدًا كبيرًا على جبهتين، إحداهما حربها مع روسيا، والأخرى نشوب خلاف جديد وتوترات مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، المحبط من أسعار الطاقة واقتراب الحرب من عامها الخامس.
فبينما ينتقد ترامب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية، تتخذ واشنطن خطوات لتخفيف بعض القيود الاقتصادية المفروضة على موسكو، بالتزامن مع تقارير عن تقييد خدمات اتصالات فضائية تستخدمها القوات الأوكرانية، ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل الدعم الأمريكي لكييف.
ارتبط تصاعد الخلاف بإحباط ترامب من ارتفاع أسعار الطاقة، التي يعزو جانبًا منها إلى الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، بينما ترى كييف أن استمرار الهجمات الروسية يجعل استهداف مصادر تمويل موسكو وقدراتها النفطية جزءًا من دفاعها عن نفسها.
اتفاق الديزل
اشتدت الأزمة، حين أعلن ترامب في 9 أكتوبر، التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إمدادات الديزل الروسي، وهي الخطوة التي أثارت اعتراضات أوكرانية، خصوصًا مع تراجع الضغوط الاقتصادية الأمريكية على موسكو.
جاء هذا القرار من الإدارة الأمريكية، كمحاولة لاحتواء ارتفاع تكاليف الطاقة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر، في الوقت الذي اعتبر فيه الكرملين أن صفقة الديزل ستمهد الطريق إلى مزيد من التعاون الأمريكي الروسي.
واستمر غضب أوكرانيا، حينما أصدر البيت الأبيض في 16 أكتوبر، أمرًا تنفيذيًا يتضمن إعفاءات من عدد من العقوبات والقيود والرسوم المنصوص عليها في قانون جراهام لمعاقبة روسيا وإيران، مستندًا إلى صلاحية الرئيس في التنازل عن بعض التدابير إذا اعتبر ذلك في المصلحة الوطنية الأمريكية. وقد دفع ذلك زيلينسكي إلى القول في منشوراتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي إن إجراء ترامب سيشجع روسيا على مواصلة هجماتها على أوكرانيا.
بينما يرى زيلينسكي أن تخفيف العقوبات يمنح موسكو فرصة لمواصلة الحرب، بدلًا من زيادة تكلفة استمرارها. وامتد الاعتراض إلى الكونجرس الأمريكي؛ إذ أفادت "أسوشيتد برس" بأن قرار ترامب أثار انتقادات من مشرعين جمهوريين وديمقراطيين، اعتبروا أن التراجع عن العقوبات يقوض الضغوط المفروضة على روسيا بسبب غزو أوكرانيا.
وكان رد زيلينسكي على انتقادات ترامب اللاذعة بسلسلة حادة من الانتقادات العلنية غير المعتادة، ملمحًا إلى أن الولايات المتحدة باتت تُحابي روسيا. وقال إن أوكرانيا ستتحدى مطالبة ترامب بوقف استهداف مواقع الطاقة الروسية، مُستشهدًا باستمرار الهجمات الروسية.
الخلاف يتجاوز العقوبات إلى الاتصالات العسكرية
وتعتمد كييف على الدعم الأمريكي في مجالي الاستخبارات والاتصالات، وهما عنصران مهمان في رصد الهجمات الروسية والتعامل معها، بجانب المسار الاقتصادي.
إلا أنه في 15 أكتوبر، كشف مسؤولون أمريكيون، أن البيت الأبيض أصدر توجيهًا لتقييد خدمة ستارشيلد الفضائية التي تستخدمها القوات الأوكرانية في الاتصالات الميدانية وعمليات الطائرات المسيّرة، بينما أشارت الوكالة إلى أن الخدمة استُعيدت جزئيًا، فيما لم تحدد المصادر المسؤول الذي أصدر التوجيه.
تعتمد القوات الأوكرانية على الاتصالات الفضائية في بيئة تتعرض فيها البنية التحتية الأرضية للهجمات، وهو ما يثير مخاوف بشأن مدى قدرة كييف على مواصلة عملياتها إذا تعرضت خدمات الاتصالات أو تبادل المعلومات الاستخباراتية لقيود جديدة.
وفي المقابل، قال ترامب إن الولايات المتحدة تواصل تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. ونقلت رويترز في 13 أكتوبر عنه، تأكيد استمرار التعاون، مع إعلانه العمل مع موسكو وكييف لإنهاء الحرب. لذلك، لا تعني التقارير عن تقييد بعض الخدمات أن الدعم الأمريكي بأكمله قد توقف، لكنها تكشف هشاشة اعتماد أوكرانيا على قرارات واشنطن.
ورغم الانتقادات العلنية لترامب، القيادة الأوكرانية لا تزال تسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الإدارة الأمريكية، فبحسب رويترز، يريد مسؤولون أوكرانيون مواصلة الحوار مع مبعوثي ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في محاولة للحفاظ على فرص التفاوض بشأن مستقبل الحرب.
معادلة كييف
يضع الخلاف كييف أمام معادلة صعبة، مواصلة الدفاع عن أراضيها والضغط على روسيا، دون خسارة الدعم الذي تعتمد عليه في مجالات التسليح والاستخبارات والاتصالات.
وحذر دانيال فريد، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، في تصريحات إعلامية، من أن التوترات لا تضر فقط بفرص التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، بل قد تشجع موسكو على مواصلة القتال.
"فرصة ضائعة": مسؤول أمريكي سابق
وقال فريد، المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية عن أوروبا من عام 2005 إلى عام 2009، إنه من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن تقوم بتحول دائم بعيدًا عن أوكرانيا، لكن التداعيات كانت تضر بآفاق إنهاء الحرب التي بدأت بالغزو الروسي الشامل عام 2022.
وأضاف أنها "ليست مجرد فرصة ضائعة، بل تسبب معاناة حقيقية في أوكرانيا وتشجع بوتين على مواصلة الحرب، لذا فهي ليست بلا ثمن".







