يقع الطفل في حيرة حينما تقابله أمه بوجه غاضب ونبرة هادئة معًا، فيما يرتبط عدم التوافق بين كلمات الأمهات وتعبيرات وجوههن بـ تدهور الصحة النفسية لدى الأطفال؛ ذلك ما تشير إليه دراسة أجرتها جامعة كارديف البريطانية.
قد تقول الأم لصغيرها كلمات تحمل نقدًا أو استياءً، بينما لا يظهر الغضب على وجهها بالقدر المتوقع، هذا التباين بين ما يسمعه الطفل وما يراه قد يبدو تفصيلًا عابرًا في التواصل اليومي، بينما الدراسة تشير إلى ارتباطه بمشكلات عاطفية وسلوكية أكثر حدة لدى الأطفال، في نتائج تفتح بابًا لفهم أعمق لدور التواصل غير اللفظي في نموهم النفسي.
فهم البيئة العاطفية للطفل
وبحسب "الدراسة المنشورة في دورية Scientific Reports"، في 13 أبريل 2026، فإن فهم البيئة العاطفية التي ينشأ فيها الطفل لا يتوقف عند الكلمات التي يسمعها من أمه، بل يشمل أيضًا تعبيرات وجهها والطريقة التي تظهر بها مشاعرها أثناء الحديث.
أجرى الباحثون بكلية علم النفس في جامعة كارديف فحصا على 134 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 4 و8 سنوات، وأُحيلوا للتقييم بسبب صعوبات عاطفية أو سلوكية أو معرفية ظهرت في المدرسة، ودرسوا الباحثون العلاقة بين الصحة النفسية للأمهات وطريقة تعبيرهن عن مشاعرهن، وبين شدة المشكلات التي يعانيها الأطفال.
اعتمد الباحثون على استبيانات لتقييم أعراض القلق والاكتئاب لدى الأمهات، إلى جانب تقييم سلوك الأطفال ومشكلاتهم النفسية. كما حللوا حديث الأمهات عن أطفالهن خلال مقابلة قصيرة، واستخدموا تقنية آلية لتحليل تعبيرات الوجه.
وارتبطت مؤشرات الصحة النفسية للأمهات، وطريقة تعبيرهن عن مشاعرهن، وشدة المشكلات لدى الأطفال بعضها ببعض. فيما أظهرت التحليلات أن انخفاض عدد تعبيرات الغضب على وجوه الأمهات، وضعف شدتها أثناء الإدلاء بتعليقات سلبية عن أطفالهن، كانا من أبرز المؤشرات المرتبطة بزيادة شدة المشكلات العاطفية والسلوكية لدى الأطفال.
أيضا رصد الباحثون أن ارتفاع مستويات القلق لدى الأمهات ارتبط بمشكلات عاطفية أكثر حدة لدى الأطفال، مثل القلق والحزن والانسحاب الاجتماعي.
كما أن ارتفاع أعراض الاكتئاب لدى الأمهات، ارتبط بمزيد من المشكلات السلوكية الموجهة إلى الخارج، مثل العدوان والسلوك المعارض ومشكلات الانضباط. كذا ارتبط التعبير عن مواقف أكثر سلبية ودفئًا أقل تجاه الطفل بوجود صعوبات سلوكية ملحوظة.
وتشير جامعة كارديف في عرضها لـ نتائج الدراسة إلى أن أهمية النتائج تكمن في النظر إلى البيئة العاطفية بوصفها مجموعة من العوامل المتداخلة، لا مجرد انعكاس للحالة النفسية للأم وحدها.
لماذا يهم التوافق بين الكلمات والوجه؟
يتعلم الأطفال فهم المشاعر والاستجابة لها عبر تفاعلاتهم اليومية مع المحيطين بهم. وعندما لا تتوافق الرسائل اللفظية مع تعبيرات الوجه، قد يصبح تفسيرهم للمواقف الاجتماعية أكثر صعوبة، بما يؤثر في قدرتهم على فهم مشاعر الآخرين وتنظيم استجاباتهم العاطفية.
ويربط الباحثون التباين بين التعبير اللفظي وغير اللفظي، ويؤكدون أن ذلك يربك الإشارات العاطفية التي يتلقاها الطفل، لكن الدراسة لا تثبت أن هذا التباين وحده يسبب المشكلات النفسية؛ إذ ترصد ارتباطات بين مجموعة من العوامل، مع اقتصار العينة على أطفال أُحيلوا بالفعل للتقييم بسبب صعوبات في المدرسة.
بدلًا من تحميلهن المسؤولية
الباحثة إيلي دورانس، المحاضرة بكلية علم النفس في جامعة كارديف، اكدت أن النتائج لا تستهدف إلقاء اللوم على الأمهات أو الآباء الذين يواجهون صعوبات نفسية، بل تبرز أهمية توفير الدعم اللازم لهم، ومساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم بصورة واضحة ومتسقة مع أطفالهم.
وتفتح الدراسة المجال أمام تطوير تدخلات نفسية وتربوية تراعي الصحة النفسية للوالدين، وطبيعة التواصل العاطفي داخل الأسرة، بدلًا من التركيز على السلوك الظاهر للطفل وحده.







