تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في تركيا وسط أجواء مشحونة ومخاوف متصاعدة بين قادة العالم، جراء العلاقة المتوترة والاضطرابات المستمرة التي يفرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحلف.
ويهدد ترامب بشكل متكرر بالانسحاب من الناتو، مشككًا في الجدوى الاستراتيجية لبقاء الولايات المتحدة كضامن أول لأمن القارة الأوروبية، وهو شعور تحول إلى أزمة ثقة حقيقية تجلت بوضوح في عدة ملفات عسكرية ودبلوماسية مؤخرًا.
أسباب توتر العلاقة بين ترامب والناتو
تجسد هذا التوتر بشكل كامل عندما دخلت الولايات المتحدة في صراع عسكري مباشر مع إيران، حيث اتخذ ترامب قراراته دون أي استشارة مسبقة مع حلفائه الأوروبيين في الناتو، رغم تشابك الهياكل الأمنية بين الطرفين على مدار 77 عامًا، ولم يتوقف الأمر عند الانفراد بالقرار، بل هاجم الرئيس الأمريكي الحلف وقادته بشدة لرفضهم التدخل والمساعدة في تأمين مضيق هرمز والانجرار إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
ولم تكن الحرب الإيرانية النقطة الشائكة الوحيدة، إذ تسبب ترامب في صدمة دبلوماسية وتوتر واسع داخل التحالف الغربي عندما هدد باستخدام القوة العسكرية للاستيلاء على جزيرة "غرينلاند" التابعة للدنمارك، الحليفة في الناتو، بدعوى حماية الأمن القومي الأمريكي، مؤكدًا أنه سيأخذها "سواء أعجبهم ذلك أم لا"، ورغم تراجعه لاحقًا أمام الاستنكار الأوروبي، فإنه واصل تهديد معارضيه بفرض رسوم جمركية عقابية، مما عمّق الخلاف.
وعلى الصعيد الميداني، نفذ ترامب تهديداته بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، حيث ألغى البنتاغون عمليتي نشر عسكريتين وأمر بسحب أفراد آخرين من القارة، وخلال القمة الحالية، يستميت القادة الأوروبيون لإقناع ترامب بأن الوجود الأمريكي يخدم مصالح ضفتي الأطلسي، وسؤاله بشكل واضح عن مستقبل هذا الانتشار.
وتتزامن هذه المخاوف مع أزمة حادة تعيشها أوروبا التي تكافح لتعويض غياب المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا، والتي سحبها ترامب في وقت صعدت فيه روسيا هجماتها الجوية بشكل غير مسبوق.
شهدت أروقة القمة مواجهات حادة، حيث وجه ترامب توبيخًا شخصيًا لعدد من أبرز القادة الأوروبيين لرفضهم الانخراط في الحرب ضد إيران، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، وحتى حليفته السابقة جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا.
وفي المقابل، ينسب ترامب الفضل لنفسه في إجبار الأعضاء على زيادة إنفاقهم العسكري، وهو الملف الذي شهد التزامًا من قادة الناتو العام الماضي برفع ميزانيات الدفاع والأمن إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 (بدلًا من 2% السابقة)، لمواجهة التهديدات الروسية والإرهاب العالمي، مع منح استثناء وحيد لإسبانيا بشرط الحفاظ على قدراتها الدفاعية، ورغم تأكيده الدوري على التزامه باتفاقية الدفاع المشترك، يبقى سلوك ترامب التهديدي والمتقلب هو المحرك الأساسي لحالة القلق الشديد التي تخيم على مستقبل الحلف.














