تخضع الطفرة الدفاعية في أوروبا لاختبار جديد يتمثل في قدرتها على تحويل الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري إلى أسلحة ومعدات قابلة للاستخدام فعليًا.
فبعد سنوات من رفع الميزانيات الدفاعية والإنفاق الطارئ على حرب أوكرانيا وزيادة المخزونات، يبرز سؤال مباشر: هل تستطيع صناعة الدفاع تحويل مئات المليارات من اليورو إلى قدرات إنتاج وتسليح على أرض الواقع، بحسب ما يراه مستثمرون لـ"CNBC".
ضغوط على حلف الأطلسي.. الدفاع في أوروبا
ومن المقرر أن يناقش قادة الناتو في القمة المقبلة التقدم المحرز منذ العام الماضي، إلى جانب وضع خريطة طريق لأهداف إنفاق جديدة، بهدف "تحويل التزامات الحلفاء إلى نتائج ملموسة"، لكن التحدي لا يزال قائمًا، مع تأخيرات في المشتريات، وتجزئة البرامج الوطنية، ونقص العمالة، وضغوط على سلاسل التوريد، ما يبطئ إعادة بناء قاعدة صناعية تراجعت لعقود.
الضغوط تتزايد من جانبي الأطلسي، بعد اتفاق حلف شمال الأطلسي على أهداف إنفاق جديدة العام الماضي، وسط قلق من اعتماد أوروبا على المظلة الأمريكية. وتفاقم هذا الضغط مع تحذيرات من مسؤولين، بينهم وزير الحرب البريطاني بيت هيجست، إضافة إلى مراجعة دفاعية تمتد حتى ستة أشهر، أعادت الزخم للنقاش حول الإنفاق الدفاعي في ظل حرب أوكرانيا وتغير موقف واشنطن من الناتو.
وقال هوجز لافاندييه، الشريك البارز في ماكينزي: "لا شك أن التحول في الموقف الجيوسياسي الأمريكي شكّل لحظة فارقة"، مضيفًا أن ذلك سرّع إدراك أوروبا بأن "فترة عوائد السلام باتت وراءنا"، وأن الحكومات باتت مضطرة لإعادة الاستثمار في الدفاع، وفقًا لـ"CNBC".
قواعد اللعبة تتغير.. شكل جديد لتجارة الدفاع
هذا التحول انعكس على المستثمرين، إذ استفادت شركات مثل راينميتال وبي إيه إي للأنظمة وليوناردو وتاليس وساب السويدية من ارتفاع الطلب وتوسع الطلبات منذ حرب أوكرانيا 2022.
وتقدّر ماكينزي أن الإنفاق الدفاعي الأساسي لدول الناتو في أوروبا تضاعف منذ 2019، وقد يصل إلى نحو 800 مليار يورو أي ما يعادل 912 مليار دولار بحلول نهاية العقد، بما يتماشى مع هدف الناتو بإنفاق 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، كما تتدفق استثمارات متزايدة إلى تكنولوجيا الدفاع مثل الطائرات المسيرة والأنظمة الذاتية.
وقال لافاندييه إن السوق في "مرحلة اكتشاف للأسعار"، موضحًا أن المستثمرين باتوا يميزون بين الشركات القادرة على تحويل الطلبات إلى إنتاج وأرباح.
الأسبوع الماضي، ألغت ألمانيا برنامج فرقاطة إف-126 بعد تأخيرات وتكاليف مرتفعة، واستبدلته بطلب ثماني فرقاطات من طراز ميكو A-200 من تيسين كروب للأنظمة البحرية، ما أدى إلى تراجع سهم راينميتالـ، وقال مصدر إن "الحكومات يمكن أن تغيّر قراراتها"، فيما اعتبر دان كوتسوورث من شركة إيه جيه بيل أن ذلك "تذكير واضح بالتأخير والتقلبات في القطاع".
ما الذي يعرقل إعادة التسليح؟
رغم ارتفاع الإنفاق، لا تزال مخزونات الناتو في أوروبا أقل من مستويات 2021 بسبب دعم أوكرانيا وتقاعد أنظمة قديمة وتأخر التسليم. كما أن تجزئة الصناعة الأوروبية أعلى بأربعة أضعاف من الولايات المتحدة، ما يضعف الكفاءة والتكامل.
ويقول لافاندييه إن أبرز العقبات هي نقص العمالة وسلاسل التوريد، مشيرًا إلى أن الصناعة الأوروبية "لم تُعتد الإنتاج واسع النطاق منذ فترة طويلة"، وأن أي نقص في المكونات قد يوقف الإنتاج بالكامل.
كما تؤكد "ستاندرد آند بورز" أن الموردين غالبًا شركات صغيرة محدودة القدرة على التوسع، ما يسبب اختناقات، وتضيف أن الزيادة في الإنفاق ستكون غير متساوية بين الدول؛ إذ تتحرك بولندا ودول البلطيق بسرعة أكبر، بينما تواجه فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وجنوب أوروبا قيودًا مالية.
وتشير الوكالة إلى استمرار الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة في الطائرات المقاتلة والدفاع الجوي والأسلحة الدقيقة والأنظمة المتقدمة، ما يعني أن زيادة الميزانيات لا تعني بالضرورة استقلالًا دفاعيًا كاملًا.
ويقدّر لافاندييه أن نحو نصف الإنفاق الدفاعي الأوروبي يذهب داخل القارة، بينما يتجه الباقي إلى الخارج، ويرى أن توجيه مزيد من الإنفاق محليًا ضروري لدعم الإنتاج.
من جانبه، قال ستيفان وينتلز، الرئيس التنفيذي لبنك "كيه إف دبليو"، إن نمو قطاع الدفاع "ليس ظاهرة قصيرة الأجل"، لكنه شدد على ضرورة تعزيز التنافسية ووضع سياسات داعمة، مشيرًا إلى أن شراكة "كيه إن دي إس" قد تمثل نموذجًا لتعاون أوروبي أوسع، رغم أن بناء منظومات تنافسية شبيهة بإيرباص يستغرق وقتًا طويلًا، بينما لا يملك الملف الأمني الأوروبي هذا الهامش الزمني.













