تظل كسوة الكعبة المشرفة رمزًا للجمال والمهابة العميقة في وجدان المسلمين حول العالم، ومع اقتراب موسم الحج من كل عام، تتجه الأنظار نحو الحرم المكي لمتابعة واحدة من أهم العادات السنوية المتمثلة في رفع الكسوة وتغطيتها بالإزار الأبيض، في خطوة تمزج بين الحفاظ على هذا الإرث الثمين وإدارة جموع الحجيج بكفاءة عالية.
وتعد هذه العملية إجراءً احترازيًا وتنظيميًا بامتياز، حيث يُكشف عن جدار الكعبة وتحاط بقطع من القماش الأبيض بمحيط يبلغ 47 متراً، بهدف الحفاظ على سلامة ونظافة الثوب وحمايته من التمزق والاتساخ نتيجة الازدحام الشديد وتدافع الحجاج في منطقة الطواف.
هذا إلى جانب الحد من بعض الممارسات الخاطئة كالعبث بالثوب أو محاولات التبرك به، على أن تعاد الكسوة بالكامل إلى وضعها الطبيعي السابق فور انتهاء موسم الحج.
موعد رفع كسوة الكعبة
وتبدأ أعمال الرفع عادةً في منتصف شهر ذي القعدة، وتشمل آلية العمل لف الأطراف السفلية للثوب بدقة وعناية حتى تكشف نحو 3 أمتار من جدار الكعبة، ثم يُغطى هذا الجزء المرفوع بإزار قطني أبيض يلف الكعبة من جهاتها الأربع، ما يمنحها مظهرًا مهيبًا.
وتخضع الكسوة لرحلة إنتاج طويلة تتسم بأعلى معايير الدقة داخل مجمع الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة، حيث يحرص المجمع على تطوير أدوات الصناعة واختبار جودة المواد بصفة مستمرة لارتباط الكسوة بقبلة المسلمين، لتُصنع في النهاية من أجود أنواع الحرير الأسود الصافي، وتُزين وتُطرز بخيوط ثمينة من الذهب والفضة في عملية إنتاج ممتدة تستغرق من 6 إلى 8 أشهر، ويشرف عليها نحو 200 صانع ومتخصص يعملون طوال العام.
كما تجسد الأرقام الخاصة بالكسوة حجم الرعاية الكبيرة التي تحظى بها، إذ تتجاوز التكلفة السنوية لإنتاجها 20 مليون ريال سعودي، ويزن الثوب الإجمالي حوالي 850 كجم، مقسمة على 47 قطعة قماش بعرض 98 سم وارتفاع يصل إلى 14م للقطعة الواحدة.
هذه التفاصيل المتكاملة تبين أن عملية صناعة ورفع كسوة الكعبة المشرفة تتجاوز كونها مجرد مهمة سنوية، بل هي تجسيد حي لمنظومة متكاملة من العناية والتعظيم لبيت الله الحرام، لتبقى الكعبة دائمًا في أبهى صورها أمام ملايين الطائفين والزائرين.














