تظل مسألة بناء شخصية الأبناء واحدة من أعقد المهام الإنسانية وأكثرها تأثيرًا في تشكيل مستقبل المجتمعات، حيث يقف الآباء والأمهات غالبًا في منطقة حائرة بين الرغبة في حماية أبنائهم وبين ضرورة منحهم المساحة والاستقلالية.
وفي هذا السياق، فكك الأستاذ الدكتور خالد الثبيتي، الأكاديمي والمستشار التربوي، أبعاد هذه الجدلية، مبينًا الخيط الرفيع الذي يفصل بين المتابعة الواعية والرقابة الخانقة، وبين الحرية التربوية والإهمال.
الاجتهادات الخاطئة في بناء شخصية الأبناء
وفي مستهل قراءته للمشهد التربوي المعاصر، أوضح الدكتور خالد الثبيتي أن إشكالية التوازن في بناء شخصية الأبناء تكمن في غياب "الميزان" المعياري لدى الكثير من الأسر، مما يضطر الآباء إلى الاعتماد على الاجتهادات الشخصية المبنية إما على تراث تربوي قديم أو على مفاهيم مغلوطة حول المسؤولية.
وعلّق الثبيتي على العبارة الشهيرة التي يرددها الكثير من الآباء: "أنا أعرف مصلحة ابني أكثر منه"، مشيرًا إلى أن هذه المقولة لا تصح إلا إذا كان الأب يمتلك بالفعل الأدوات الفكرية والقيمية والمعرفية اللازمة.
وأضاف أن الأبناء في سن المراهقة (15-16 عامًا) يمرون بمنحنى نفسي وعلمي يُعرَف في علم النفس بـ"تأثير دانينغ-كروجر"، حيث تندفع ثقتهم المعرفية في البداية ليعتقدوا أنهم أعلم بمصالحهم من آبائهم، وهي مرحلة طبيعية تتطلب من الوالدين الهدوء والاتزان والحوار بدلًا من الصدام وفرض الرأي.
الحماية الزائدة والاتكالية المقنعة
وفي مقارنة دقيقة بين الأجيال، أشار الدكتور الثبيتي إلى أن جيل الآباء والأجداد اعتمد في بناء شخصية الأبناء على الشدة والقسوة والضرب والإقصاء، وهي أساليب أنتجت -في كثير من الأحيان- خوفًا ورهبة وضعفًا في الشخصية، فضلًا عن كونها تخالف المنهج النبوي الرباني القائم على الرحمة واللين والرفق.
أما الجيل الحالي من الآباء، فقد وقع في فخ المبالغة العكسية؛ إذ قادهم حبهم المفرط لأبنائهم إلى توفير "حماية زائدة" عطلت نموهم النفسي.
كيف تصنع طفلًا مسؤولًا؟
أكد الثبيتي أن الحرية والمسؤولية قيمتان متلازمتان لا يمكن الفصل بينهما، مشيرًا إلى أن بناء شخصية الطفل يمر بمراحل مختلفة تتطلب أساليب تربوية متدرجة. وأوضح أن الطفل منذ الولادة وحتى سن السابعة يحتاج إلى بيئة آمنة ومريحة، بعيدة عن الصخب والشحن النفسي، بما يتيح له النمو في أجواء مستقرة ومتوازنة.
وأضاف أنه بعد سن السابعة ينبغي البدء تدريجيًا في تحميل الطفل المسؤولية، من خلال منحه مهام وتكليفات تتناسب مع عمره، بما يسهم في صقل شخصيته وتعزيز قدرته على الاعتماد على نفسه واتخاذ القرار.
كما لفت إلى أن الطفل الهادئ الذي يكتفي بالطاعة المطلقة وتنفيذ الأوامر دون مشاركة أو تكليف ليس بالضرورة دليلًا على نجاح التربية، موضحًا أن الإنسان خُلق للسعي والحركة والعمل، وأن تنمية المسؤولية تبدأ بإشراك الطفل في مهام الحياة اليومية وإتاحة الفرصة له للتجربة والتعلم.
واختتم الأستاذ الدكتور خالد الثبيتي تقريره التربوي بالدعوة إلى تبني "المنطقة الوسطى" التي تتيح للابن التحرك بحرية مع إدراكه لعواقب قراراته.
ودعا الآباء إلى غرس ثقافة "أنت مسؤول عن نفسك" لدى الأبناء، بحيث يعلم الابن أن أي قرار يتخذه أو خطأ يرتكبه خارج المنزل سيتحمل تبعاته بنفسه، مما يرفع لديه حس الرقابة الذاتية ويعدّه ليكون عنصرًا فاعلًا وناضجًا في مجتمعه.














