في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية وتزايد المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد، عادت قضية الاعتماد على الاستيراد لتفرض نفسها بقوة على أجندة الدول وصنّاع القرار، فمع اضطراب حركة التجارة العالمية، تسعى العديد من الحكومات إلى تنويع مصادر وارداتها وتقليل درجة تعرضها للصدمات الخارجية، إلا أن واقع الاقتصاد والجغرافيا يجعل بعض الدول أكثر اعتمادًا على الاستيراد من غيرها، سواء بسبب محدودية الموارد أو طبيعة دورها كمراكز عبور تجارية.
الاستيراد المرتفع… بين الجغرافيا والدور الاقتصادي
غالبًا ما تتصدر قائمة الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد جزر صغيرة أو دول غير ساحلية، إضافة إلى مراكز التجارة والمال العالمية، ففي هذه الدول، لا يعكس ارتفاع الواردات بالضرورة ضعفًا اقتصاديًا، بل يرتبط في كثير من الأحيان بطبيعة النشاط التجاري ودورها في حركة إعادة التصدير العالمية.
وتُعد هونغ كونغ النموذج الأبرز في هذا السياق، حيث تستورد ما يقارب 99% من احتياجاتها من الوقود الأحفوري لتلبية الطلب على الطاقة، في ظل غياب الموارد الطبيعية، كما تعتمد بشكل شبه كامل على الواردات لتأمين احتياجاتها الاستهلاكية والغذائية.
هونغ كونغ في الصدارة العالمية
بإجمالي واردات تعادل نحو 178% من ناتجها المحلي الإجمالي، تحتل هونغ كونغ المرتبة الأولى عالميًا من حيث الاعتماد على الاستيراد، ويعود هذا الرقم المرتفع إلى كونها واحدة من أكثر مراكز الشحن ازدحامًا في العالم، حيث تمر عبرها كميات هائلة من السلع التي تدخل بهدف إعادة تصديرها إلى أسواق أخرى.
وبما أن الواردات تُحتسب بقيمتها الكاملة ضمن الإحصاءات الاقتصادية، فإن ذلك يؤدي إلى تضخيم نسبة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي، دون أن يعكس بالضرورة حجم الاستهلاك المحلي الفعلي.
مراكز مالية وتجارية بنسب استيراد مرتفعة
لا تقتصر هذه الظاهرة على هونغ كونغ وحدها، إذ تسجل مراكز تجارة ومال أخرى نسبًا مرتفعة مشابهة، وتشمل هذه القائمة دولًا مثل لوكسمبورغ وسان مارينو وسنغافورة، حيث تلعب هذه الاقتصادات دور الوسيط التجاري أو المالي، وتعتمد على تدفق السلع والخدمات عبر حدودها أكثر من اعتمادها على الإنتاج المحلي.
في هذه الحالات، يصبح الاستيراد جزءًا أساسيًا من نموذج النمو الاقتصادي، وليس مجرد استجابة لنقص الموارد.
الدول الجزرية الصغيرة… اعتماد يفوق الناتج المحلي
بعيدًا عن المراكز التجارية الكبرى، تظهر الدول الجزرية الصغيرة ضمن أكثر الاقتصادات اعتمادًا على الاستيراد، وتُسجل دول مثل ناورو وسيشيل وكيريباتي واردات تتجاوز قيمتها 100% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة محدودية الأراضي الزراعية وضعف القاعدة الصناعية.
وتشير البيانات إلى أن 26 دولة من بين أكثر 30 دولة اعتمادًا على الواردات يقل عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة، ما يعكس العلاقة الوثيقة بين حجم السكان، القدرات الإنتاجية، ومستوى الاعتماد على الخارج.
من جهة أخرى، تواجه الدول غير الساحلية تحديات إضافية تتعلق بتأمين احتياجاتها من الطاقة والمواد الخام، وتُعد سلوفاكيا واحدة من أكثر الدول الأوروبية اعتمادًا على الاستيراد، خصوصًا في مجال الطاقة.
وخلال فترات التوتر المرتبطة بإمدادات النفط والغاز، كانت سلوفاكيا من بين الدول الأوروبية القليلة التي استُثنيت من حظر النفط الروسي، بهدف التخفيف من النقص، حيث كانت روسيا تُزوّدها بنحو 87% من احتياجاتها النفطية، ما يبرز حجم الاعتماد وصعوبة الاستغناء السريع عن الواردات.
اقرأ أيضًا:
3 أسباب للارتفاع القياسي في أسعار الذهب وسبب واحد لانخفاضها










