توصلت دراسة مخبرية حديثة إلى نتائج تثير مخاوف بشأن تأثير أحد مكونات السجائر الإلكترونية على التطور الجنيني المبكر، بعدما أظهرت أن الفانيلين، وهي مادة منكهة شائعة الاستخدام في السجائر الإلكترونية، قد يغير سلوك الخلايا الجذعية البشرية من خلال قناة تُعرف باسم TRPV4.
وبحسب بحث نُشر في أغسطس الجاري في مجلة "Human Reproduction" المتخصصة في طب التكاثر، قد يتداخل الفانيلين مع التطور الجنيني المبكر، ما يقدم تفسيرًا بيولوجيًا محتملًا للروابط التي أُبلغ عنها بين التدخين الإلكتروني وصعوبة الحمل والإجهاض. لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تثبت حدوث التأثيرات نفسها لدى النساء الحوامل أو أجنتهن، لأن الدراسة أُجريت بالكامل في المختبر.
تجارب على الخلايا الجذعية البشرية
نظرًا إلى أن اختبار المواد الكيميائية الموجودة في السجائر الإلكترونية مباشرة على النساء الحوامل والأجنة النامية غير عملي وغير أخلاقي، أجرى الباحثون تجاربهم على الخلايا الجذعية الجنينية البشرية، التي تشبه الخلايا الموجودة في الأجنة البشرية خلال الأسبوع الثالث تقريبًا من النمو.
وقادت الدراسة برو تالبوت، أستاذة الدراسات العليا في قسم بيولوجيا الخلية الجزيئية والأنظمة بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، بالتعاون مع الدكتورة شبنم اعتمادي، عالمة بيولوجيا الخلايا الجذعية والحوسبة في الجامعة. وعرض الباحثون الخلايا الجذعية الجنينية المزروعة في المختبر لتركيزات مختلفة من الفانيلين، شملت تركيزات نانومولية تمثل تعرضًا أقل، وتركيزات ميكرومولية تمثل تعرضًا أعلى.
كما عالجوا الخلايا بمضاد لمستقبل TRPV4 لمنع الفانيلين من الارتباط به، إلى جانب جسم مضاد يعيق وظيفة القناة، لمعرفة ما إذا كانت هذه القناة مسؤولة عن التأثيرات التي ظهرت على الخلايا. يمكن للخلايا الجذعية الجنينية أن تتطور إلى مختلف أنواع خلايا الجسم. وخلال النمو الجنيني الطبيعي، تنتج هذه الخلايا ثلاث مجموعات رئيسية هي الأديم الباطن والأديم الظاهر والأديم المتوسط.
وأظهرت التجارب أن التركيزات الميكرومولية من الفانيلين تميل إلى قتل الخلايا، بينما أدت التركيزات النانومولية إلى فقدان الخلايا قدرتها على التمايز إلى مختلف أنواع الخلايا. كما تسبب الفانيلين في دفع الخلايا الجذعية نحو التمايز إلى الأديم الباطن بدلًا من الأديم الظاهر أو الأديم المتوسط. ويكوّن الأديم الباطن بطانة الأمعاء وأنسجة الجهاز التنفسي.
وأشار الباحثون إلى أن هذه التغيرات قد تعيق التطور الطبيعي للأجنة، إذ إن غياب الأديم الظاهر قد يؤدي إلى فشل نمو الجهاز العصبي، بينما يؤدي غياب الأديم المتوسط إلى فشل نمو أنسجة عديدة، مثل العضلات. عندما حجب الباحثون مستقبل TRPV4 باستخدام مضاد له، لم يعد الفانيلين يُحدث التأثيرات نفسها على الخلايا الجذعية، ما يشير إلى أن هذه القناة قد تكون المسار الذي يؤثر الفانيلين من خلاله في الخلايا.
ووفقًا للباحثين، قد تصل تركيزات نانومولية من الفانيلين إلى الجنين لدى النساء الحوامل اللواتي يستخدمن السجائر الإلكترونية. وعند وصول المادة إلى هذه التركيزات، يمكن أن ترتبط بقناة TRPV4 على سطح الخلايا الجنينية، ما يسمح بتدفق سريع للكالسيوم، وهو جزيء يؤدي دورًا في الإشارات الخلوية. ويؤدي ذلك إلى سلسلة من التغيرات التي تفقد الخلايا الجذعية الجنينية قدرتها على التمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا، وتدفعها نحو تكوين الأديم الباطن.
تحذير من التدخين الإلكتروني أثناء الحمل
قالت تالبوت إن النساء قد لا يعرفن بالضرورة المواد الكيميائية الموجودة في منتجات التدخين الإلكتروني، مشيرة إلى أن نتائج الدراسة تدعم توخي الحذر وتجنب التدخين الإلكتروني أثناء الحمل، خصوصًا لدى النساء اللواتي يواجهن صعوبة في الحمل أو سبق أن تعرضن للإجهاض.
ويرى الباحثون أن السياسات التنظيمية تعتمد غالبًا على بيانات مأخوذة من البالغين أو خلاياهم، رغم أن مراحل النمو الجنيني قبل الولادة تُعد من أكثر المراحل حساسية تجاه المواد الكيميائية البيئية. ودعا الباحثون إلى أخذ تأثير السجائر الإلكترونية على الجنين في الاعتبار عند وضع سياسات استخدامها وتوزيعها، إلى جانب النظر في إلزام الشركات بالإفصاح عن مكونات منتجاتها على العبوات.
سبق للباحثين دراسة مادة المنثول المستخدمة في السجائر الإلكترونية، ووجدوا أنها تساهم في الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي لدى البشر. ويعمل الفريق حاليًا على دراسة WS-23، وهي مادة كيميائية صناعية مبردة شائعة الاستخدام في منتجات السجائر الإلكترونية، إلى جانب دراسة تأثيرات المنثول وWS-23 على تمايز الخلايا الجنينية.
الدراسة لا تحسم تأثيرها على الحمل
رغم النتائج، لا تثبت التجارب المخبرية أن الأجنة البشرية التي تتعرض للفانيلين أثناء الحمل ستستجيب بالطريقة نفسها، كما أن الدراسة لم تقيّم تأثير التعرض المتكرر للفانيلين على مدى أيام أو أسابيع أو أشهر أو سنوات. ويشير الباحثون إلى أن آثار التعرض طويل الأمد قد تكون أكبر، ما يجعل الحاجة قائمة إلى مزيد من الدراسات لفهم التأثيرات المحتملة للفانيلين وغيره من المواد الكيميائية الموجودة في السجائر الإلكترونية.














