أصبحت جزيئات البلاستيك الصغيرة حقيقة واقعة تلاحق البشر في تفاصيل حياتهم اليومية كافة، إذ أدى التوسع الهائل في تصنيع البوليمرات المتينة منذ منتصف القرن الماضي إلى تراكم هذه المواد وتفتتها لقطاعات أصغر تحيط بالبيئة وتتسرب تدريجيًا إلى الأجسام البشرية.
ورغم الانتشار الكبير للمخاوف المتعلقة بتأثيرات البلاستيك الدقيق، فإن المعرفة العلمية حول الأضرار الفعالية لهذه المواد عقب وصولها إلى داخل الأنسجة ما زالت في مراحلها الأولى، وتأتي دراسة علمية جديدة قادها فريق بحثي في جامعة فريجي أمستردام لتلقي الضوء على هذا الملف المعقد، مسلطة الضوء على قدرة المواد البلاستيكية الدقيقة والنانوية على عبور الحاجز المشيمي والتأثير المباشر على التوازن الهرموني للأجنة وإنتاج الهرمونات الستيرويدية الحيوية خلال فترة الحمل.
ورصدت البحوث الطبية مؤخرًا وجود البلاستيك الدقيق والنانوي في عينات متعددة من دم الإنسان والمشيمة والسائل الأمنيوسي، إذ أظهرت إحدى الدراسات السابقة وجود تلك الجسيمات في جميع العينات المشيمية التي خضعت للفحص، ويشكل هذا التواجد المستمر حول الجنين النامي مصدر قلق كبير لدى الأوساط الطبية، نظرًا لأن مراحل التخلق الأولى تتأثر بأي اضطراب بيئي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
ورغم إجراء تجارب على القوارض أثبتت إمكانية وصول الشظايا البلاستيكية المستنشقة لأعضاء الصغار واحتتمالية تأثر نمو الدماغ والنمو العصبي، فإن الاختلافات التشريحية بين القوارض والبشر تجعل نقل هذه النتائج أمرًا غير دقيق بشكل مباشر، ما يتطلب نماذج بحثية متطورة تحاكي البيئة البشرية بدقة أكبر.
مُبتكرة تحاكي المشيمة البشرية
لتجاوز عقبة الفروق التشريحية وعدم قدرة النماذج التقليدية المختبرية على استيعاب التفاعلات المعقدة بين الأم والجنين، نجح الفريق العلمي بقيادة الباحثة جيسكي فان بوكسل في تطوير نموذج خلوي ثلاثي الطبقات داخل أطباق البحث.
وصُمم هذا النموذج لتمثيل طبقات الحاجز المشيمي بدقة متناهية، حيث تم استخدام خلايا متخصصة تشبه الأنسجة الظهارية المغطية للزغابات المشيمية في الطبقة الأولى، مع خلايا معزولة من وريد الحبل السري في الطبقة الثانية لتمثيل الحاجز المادي، بينما خُصصت الطبقة الثالثة لخلايا مشتقة من الغدة الكظرية البشرية لتمثيل العضو الرئيسي المسؤول عن إنتاج الهرمونات الجنينية داخل المنظومة.
اختبار اختراق محاكاة المشيمة البشرية
وبدأ الباحثون باختبار استجابة هذا النموذج عبر إضافة أنواع متعددة من المواد البلاستيكية الدقيقة والنانوية للطبقة الخارجية ومراقبة نفاذيتها على مدار 72 ساعة، وأظهرت النتائج أن معظم البوليمرات نجحت بالفعل في اختراق طبقات الغشاء الخلوي بدرجات متفاوته، باستثناء البولي أميد الذي لم يُرصد بكميات قياسية في الجانب الآخر.
كما كشف الفحص المجهري عن اندماج هذه الجسيمات داخل الطبقتين الخلويتين الأوليين، وفي أثناء قياس تأثير هذا الاختراق على المسارات الهرمونية، أدى التعرض للبوليمرات إلى اضطراب واضح في إنتاج الهرمونات الستيرويدية التي كانت نشطة في النموذج، حيث تسببت أنواع بلاستيكية متعددة في انخفاض مستويات هرمون الإيتيوكولانولون، بينما أدى التعرض للبوليسترين إلى التأثير المباشر على مستويات الإستروجين الضروري للاستمرار الآمن للحمل.
وتؤكد نتائج هذه الدراسة أن الجزيئات البلاستيكية قادرة على تجاوز الحواجز البيولوجية المعقدة في جسم الإنسان والتأثير على العمليات الهرمونية الحساسة، ورغم أن هذه الاكتشافات المختبرية لا تعني بشكل تلقائي حدوث أضرار مؤكدة لحالات الحمل كافة في الواقع، فإنها تضع المجتمع العلمي أمام مسؤولية عاجلة لتوسيع نطاق الأبحاث واستكشاف الآليات الدقيقة التي تؤثر بها هذه المواد على النمو الجنيني، بغية تطوير استراتيجيات وقائية حقيقية لحماية صحة الأجيال القادمة من التلوث البلاستيكي المتزايد.












