نجح باحثون من جامعتي "وارويك" البريطانية و"موناش" الأسترالية في كشف النقاب عن لغز بيولوجي خاص بأدوية السرطان طالما أحبط العلماء لعقود من الزمن، يتعلق بكيفية قيام البكتيريا طبيعيًا بتخليق نسخ متعددة من مركبات قوية مكافحة للأورام.
هذا الانفراج العلمي، المنشور في مجلة "Nature Communications"، يفتح آفاقًا غير مسبوقة لتطوير أدوية السرطان من خلال فهم آلية "المزج والمطابقة" الطبيعية وإعادة إنتاجها داخل المختبرات الطبية بنجاح.
تطوير أدوية السرطان
ركز البحث على فك شفرة عائلة من الجزيئات المعقدة حلقة الشكل تسمى "الأسيتيل الببتيدات الحلقية"، والتي ينتمي إليها عقار "روميديبسين" المعتمد عالميًا لعلاج بعض سرطانات الدم.
واكتشف العلماء أن هناك مناطق بروتينية صغيرة تُعرف باسم "نطاقات الإرساء" (Docking Domains) تعمل كروابط جزيئية دقيقة تفصل بين الآلية الرئيسية المنتجة للدواء والإنزيمات المسؤولة عن إضافة المكونات الكيميائية.
هذه النطاقات تشترك في نقطة اتصال موحدة تتيح لها مرونة هائلة لإنتاج سلالات مختلفة ومتطورة من أدوية السرطان بذكاء واقتصاد تكتيكي شديد الإحكام .
تكمن أهمية هذا الاكتشاف في تمهيد الطريق لما يُعرف باسم "التخليق الحيوي التوليفي"، حيث تتيح هذه الموصلات الجزيئية تمرير المنتج المبني جزئيًا من قسم إلى آخر على طول خط التجميع البيولوجي للهجائن البروتينية الضخمة.
ويوضح البروفيسور غريغ شاليس، أستاذ الكيمياء المستدامة، أن محاكاة هذا المنطق التطوري تمنح العلماء مخططًا تفصيليًا لتصميم مسارات اصطناعية بالكامل تولد جزيئات مبتكرة مرشحة لتصبح أدوية السرطان الأكثر فاعلية في المستقبل، مع تحسين الخصائص السريرية مثل زيادة الانتقائية الموجهة للخلايا الخبيثة، وتقليل الآثار الجانبية السامة على الأنسجة السليمة.
ونجح الفريق باستخدام تقنيات متطورة جمعت بين علم الأحياء البنيوي والنمذجة الحوسبية الذكية عبر أداة "ألفافولد" (AlphaFold)، في تحديد المسار التخليقي المفقود للمركب الشهير (FR-901375) الذي ينتمي لفئة مُثبطات نزع الأسيتيل من الهستون.
والانتقال من مرحلة فهم الطبيعة إلى مرحلة بناء أنظمة حيوية جديدة يمثل حجر الزاوية لبناء مكتبة موسعة من المركبات الطبية، وهو ما يحتاجه القطاع الصحي بشدة لإنتاج أدوية السرطان الموجهة للأورام المستعصية، مستفيدين من قدرة الهندسة الوراثية على محاكاة آليات الطبيعة فائقة الدقة.














