تشير دراسة علمية حديثة إلى أن تسارع العمر البيولوجي قد يكون أحد المفاتيح المحتملة لفهم ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان بين البالغين الأصغر سنا، خاصة سرطانات الرئة والجهاز الهضمي والرحم، ورغم أن النتائج لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإنها تضيف مسارا جديدا إلى محاولات تفسير ظاهرة باتت تثير قلق الباحثين حول العالم.
ارتفاع معدلات الإصابة
خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت معدلات الإصابة بعدد من أنواع السرطان بين من هم دون الخمسين، من بينها سرطانات (الثدي، والقولون والمستقيم، والكلى، والرحم)، ووفقا لورقة بحثية نُشرت عام 2023، ارتفعت تشخيصات السرطان المبكر عالميا بنسبة 25% بين عامي 1990 و2019، بينما لا تزال الأسباب الدقيقة وراء هذا الاتجاه غير محسومة.
وتقول الدكتورة جيوتي نانغاليا، اختصاصية أمراض الدم وباحثة السرطان في معهد ويلكوم سانجر بالمملكة المتحدة، إن زيادة إصابات السرطان في الأعمار الصغيرة اتجاه حقيقي، ولا يمكن تفسيره فقط بتحسن التشخيص أو اكتشاف المرض في مراحله المبكرة.
وترى نانغاليا أن هناك احتمالا لتعرض الأجيال الجديدة لمخاطر مسرطنة مختلفة، أو أن دفاعات الجسم ضد هذه المخاطر تغيرت بشكل ما.
الفجوة بين العمر الزمني والعمر البيولوجي
الدراسة الجديدة، المنشورة في 22 يونيو بمجلة Nature Medicine، تطرح فرضية لافتة: ربما تتسع الفجوة بين العمر الزمني والعمر البيولوجي لدى الأجيال الأصغر سنا مقارنة بالأجيال الأكبر، فالعمر الزمني هو عدد السنوات منذ الولادة، أما العمر البيولوجي فيعكس مدى شيخوخة أنسجة الجسم وأنظمته، اعتمادا على مؤشرات حيوية في الدم والحمض النووي.
واعتمد الباحثون على بيانات أكثر من 150 ألف بالغ من البنك الحيوي في المملكة المتحدة، وهو مشروع طويل الأمد يتابع صحة نحو نصف مليون شخص، واستخدموا مؤشرات دم ضمن نموذج إحصائي يعرف باسم PhenoAge، بهدف تقدير ما إذا كان الجسم يبدو بيولوجيا أكبر أو أصغر من عمره الفعلي.
وكشف التحليل أن المشاركين المولودين بين عامي 1965 و1974 سجلوا فجوة عمرية أكبر من المولودين بين عامي 1950 و1954 عند الأعمار الزمنية نفسها. وبحسب نموذج PhenoAge، بدت المجموعة الأصغر سنا أعلى بنحو 0.23 انحراف معياري في مؤشرات الشيخوخة الجهازية.
ثم طبق الباحثون النهج نفسه على نحو 10 آلاف مشارك في برنامج All of Us التابع للمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، فوجدوا نمطا أكثر وضوحا؛ إذ سجل المولودون بين عامي 1990 و1999 فجوات عمرية أعلى بنحو 0.92 انحراف معياري مقارنة بالمولودين بين عامي 1965 و1969.
العمر البيولوجي والسرطان
ولم تتوقف الدراسة عند قياس العمر البيولوجي فقط، بل ربطته بخطر الإصابة بالسرطان المبكر، ففي مجموعة البنك الحيوي البريطاني، كان الأشخاص الذين لديهم فجوات عمرية أعلى أكثر عرضة للإصابة بالأورام الصلبة المبكرة، وهي السرطانات التي تنشأ في الأنسجة، لا في سوائل الجسم وكان الارتباط أقوى في سرطانات الرئة والجهاز الهضمي والرحم.
وعند تقسيم المشاركين إلى ثلاث مجموعات وفقا لمستويات العمر البيولوجي، وجدت الدراسة أن المجموعة الأعلى واجهت خطرا أكبر بنحو 15% للإصابة بالسرطانات الصلبة المبكرة مقارنة بالمجموعة الأدنى.
كما أظهر تحليل آخر أن مؤشرات الجهاز المناعي الأكبر من المتوقع ارتبطت بخطر أعلى لسرطان الرئة المبكر، بينما ارتبطت مؤشرات الأنسجة الدهنية الأكبر من المتوقع بخطر أعلى لسرطان القولون والمستقيم المبكر.
لكن الباحثين يشددون على أن النتائج لا تعني بالضرورة أن تسارع العمر البيولوجي هو السبب المباشر وراء الإصابة بالسرطان. فالدراسة قائمة على الملاحظة، وهذا النوع من الدراسات يمكنه رصد الارتباطات، لكنه لا يحسم علاقة السبب والنتيجة.
وتؤكد الباحثة يين تساو، المشاركة في الدراسة، أن العمل يمثل “إثباتا للمفهوم” أكثر من كونه إجابة نهائية. وترى أن النتائج تحتاج إلى تأكيد في مجموعات بيانات وسكان آخرين، خاصة أن اختبارات العمر البيولوجي لا تزال حديثة نسبيا، وقد تعطي نتائج مختلفة للشخص نفسه بحسب الطريقة المستخدمة.
كما يشير ستيفن بورغيس، أستاذ الإحصاء الحيوي في جامعة كامبريدج، إلى أن بعض الفروق التي كشفها نموذج PhenoAge قد ترتبط بطريقة معايرة الاختبار نفسه، ما يستدعي دراسة أعمق لكيفية حساب درجات العمر البيولوجي في قواعد البيانات المختلفة.
في النهاية، لا تقدم الدراسة حكما نهائيا، لكنها تفتح بابا مهما لفهم السرطان المبكر، فإذا كان العمر البيولوجي يعكس تراكم تأثيرات نمط (الحياة، والبيئة، والتغذية، والالتهابات)، والتعرضات المختلفة، فقد يصبح أداة مفيدة لرصد المخاطر الصحية على مستوى السكان، وربما يساعد مستقبلا في تطوير طرق أفضل للوقاية والكشف المبكر.













