منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) موافقتها على أول علاج جيني مخصص لعلاج الصمم الوراثي، في خطوة تُعد الأولى من نوعها عالميًا، وفي تطور وُصف بأنه تحول مهم في مجال الطب الجيني.
وصُمم العلاج الجديد الذي يحمل اسم "أوتارميني" خصيصًا لعلاج نوع محدد من فقدان السمع الناتج عن طفرات في جين OTOF، وهو الجين المسؤول عن إنتاج بروتين يُعرف باسم "أوتوفيرلين". وتكمن أهمية هذا البروتين في كونه عنصرًا أساسيًا داخل خلايا الأذن الداخلية، إذ يساعد على تحويل الاهتزازات الصوتية إلى إشارات عصبية يمكن للدماغ تفسيرها. وعند حدوث خلل في نسختي الجين الموروثتين من الأب والأم، تتعطل هذه العملية الحيوية، ما يؤدي إلى فقدان سمع يتراوح بين الشديد والعميق نتيجة انقطاع التواصل بين الأذن والدماغ.
ويعتمد العلاج على تقنية تُعطى لمرة واحدة فقط، باستخدام فيروسات معدلة وغير ضارة تعمل كوسيط لنقل نسخة سليمة من الجين إلى خلايا الأذن الداخلية، بهدف استعادة إنتاج بروتين الأوتوفيرلين وإعادة تشغيل آلية السمع الطبيعية.
العلاج الجيني مقابل زراعة القوقعة
وأظهرت بيانات التجارب السريرية التي شملت 20 مشاركًا نتائج إيجابية، حيث سجل 16 منهم تحسنًا ملحوظًا في القدرة السمعية خلال ستة أشهر من تلقي العلاج، بينما ظهرت استجابة متأخرة لدى مشارك آخر خلال عام كامل. وفي بعض الحالات، وصلت مستويات التحسن إلى درجة تمكّن فيها المرضى من سماع الهمس، كما تمكن جميع المستجيبين من بلوغ مستوى سمع لا يستدعي عادةً استخدام زراعة قوقعة الأذن، وهي الأجهزة التي تُستخدم لتجاوز الخلل في الأذن الداخلية لكنها لا تعيد السمع الطبيعي بالكامل وتتطلب متابعة وصيانة مستمرة.
وحتى الآن، يعتمد عدد كبير من المصابين بهذا النوع من فقدان السمع على زراعة القوقعة كخيار علاجي، إلا أن هذا الإجراء لا يعيد وظائف السمع بشكل طبيعي كامل.
وقد أعلنت شركة "ريجينيرون" المطورة للعلاج يوم الخميس 23 أبريل عن حصول "أوتارميني" على الموافقة الرسمية لاستخدامه لدى الأطفال والبالغين الذين يعانون من فقدان السمع المرتبط بطفرات جين OTOF، وذلك استنادًا إلى نتائج التجارب السريرية التي أُجريت خلال السنوات الماضية. وأوضحت الشركة أن العلاج سيكون متاحًا للمرضى في الولايات المتحدة دون تكلفة دوائية مباشرة، باستثناء الرسوم المرتبطة بالإجراءات الطبية أو التأمين الصحي.
وفي تعليق علمي على هذا التطور، وصف تشنغ يي تشن، الباحث في مختبرات إيتون-بيبودي بمستشفى ماساتشوستس للعيون والأذن والأستاذ المشارك في كلية الطب بجامعة هارفارد، هذا القرار بأنه محطة مفصلية في تاريخ العلاجات الجينية، مؤكدًا أنه يحمل أهمية خاصة للمرضى المصابين. وأشار إلى مشاركته في دراسات سريرية مشابهة لعلاجات تستهدف نفس الطفرة الجينية في الصين، مؤكدًا أن البيانات المتوفرة تثبت سلامة العلاج وفعاليته بشكل واضح.
كما أوضح أن مسار الموافقة على العلاج كان سريعًا بشكل لافت، إذ لم تتجاوز المدة ثلاث سنوات منذ أول جرعة تم إعطاؤها في عام 2023، وهو ما يعكس سرعة الاستجابة التنظيمية في الحالات التي لا تتوفر لها بدائل علاجية فعالة. وقد تمت الموافقة عبر مسار مراجعة عاجل من قبل إدارة الغذاء والدواء، نظرًا لغياب علاجات تستهدف السبب الجذري لهذا النوع من فقدان السمع.
وأكد الباحث أن هذه النتائج تعكس وجود حاجة طبية ملحة لم تتم تلبيتها حتى الآن، خصوصًا لدى الأطفال الذين يعانون من فقدان سمع خلقي مرتبط بطفرات OTOF، مشيرًا إلى أن هذا الإنجاز قد يمهد الطريق لتطوير علاجات جينية أخرى في مجال أمراض السمع.
شروط استخدام العلاج الجيني
يُقدر أن هذا النوع من فقدان السمع يصيب نحو 50 مولودًا جديدًا سنويًا داخل الولايات المتحدة. ويُشترط لاستخدام العلاج أن يكون المريض حاملًا لطفرتين جينيتين معطلتين في OTOF، وألا يكون قد خضع مسبقًا لزراعة قوقعة في الأذن المستهدفة، حيث إن وجود الزرعة قد يؤثر على فعالية العلاج بسبب التغيرات التي تحدث في بنية الأذن الداخلية. ومع ذلك، يمكن للمرضى الذين لديهم زرعة في أذن واحدة فقط تلقي العلاج في الأذن الأخرى.
كما يشترط أن تكون الخلايا الشعرية الخارجية في الأذن الداخلية سليمة، وهي الخلايا المسؤولة عن تضخيم الاهتزازات الصوتية قبل نقلها إلى الجهاز العصبي.
ولا تزال التجارب السريرية للعلاج مستمرة على مستوى دولي، مع فتح باب التسجيل للأطفال دون سن 18 عامًا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسبانيا وألمانيا واليابان، بهدف توسيع قاعدة البيانات العلمية حول فاعلية العلاج على المدى الطويل.
وفي تعليق على النتائج السريرية، قال الدكتور إليوت شيرر، أخصائي الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى بوسطن للأطفال والأستاذ المشارك في كلية الطب بجامعة هارفارد والمشرف على التجربة، إن متابعة استجابات الأطفال للعلاج كانت لحظات مؤثرة، مشيرًا إلى مشاهدتهم وهم يتفاعلون مع أصوات أمهاتهم أو يرقصون على الموسيقى لأول مرة، معتبرًا أن هذه التحولات أصبحت الآن ممكنة لشريحة أوسع من الأطفال الذين يولدون بهذا النوع من فقدان السمع الوراثي.
اقرأ أيضًا:
أوروبا تعتمد لقاحًا مزدوجًا للإنفلونزا وكوفيد
هل يرتبط تناول الفلفل الحار بطول العمر؟
خفايا أدوية التنحيف.. آثار جانبية لم ترصدها التجارب السريرية











