في قلب المسجد النبوي، تحتل الحجرة النبوية الشريفة مكانًا مهيبًا خلف المقصورة الخضراء، تحتضن المكان الذي وُوري فيه جسد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، بعد رحلة الدعوة.
في هذا الموضع الصغير الذي كان يومًا بيتًا لأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، تتقاطع السكينة مع التاريخ، ويقف الزائرون بخشوع يرسلون السلام على النبي وصاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، رضي الله عنهما.
وحظيت الحجرة النبوية الشريفة بعناية خاصة حافظت على طابعها وبنائها التاريخي دون تغيير، كما تُجرى لها أعمال التدعيم والترميم والصيانة والنظافة بشكل مستمر عند الحاجة، بما يضمن بقاءها في أفضل حال.
وتُشرف على هذه الأعمال الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ضمن جهودها في رعاية الأماكن المقدسة والمحافظة عليها.
ما مكونات الحجرة النبوية الشريفة؟
تضم الحجرة النبوية غرفة مسقوفة بسيطة، يبلغ ارتفاعها نحو مترين، وتمتد على مساحة تقارب 17.75 مترًا مربعًا، وإلى جوارها حجرة أخرى غير مسقوفة، يحيط بها سور بارتفاع 1.6 متر، فيما يصل طول جانبيها الشرقي والغربي إلى نحو 2.5 متر، والشمالي والجنوبي إلى قرابة 5.24 متر.
وكان باب الحجرة يفتح باتجاه الروضة الشريفة في الجهة الشرقية من المسجد النبوي، ومنها ارتبطت مواقف يومية من حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ كان يدني رأسه إلى السيدة عائشة، رضي الله عنها، وهي داخل الحجرة.
وبعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، اجتمع الصحابة يتشاورون في موضع دفنه، حتى رجّح أبو بكر الصديق ما سمعه منه: "كل نبي يدفن حيث قبض"، فدُفن في الجزء الجنوبي من الحجرة، ثم احتضنت إلى جواره قبر أبي بكر، وبعده قبر عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، وبين كل قبر وآخر مسافة ذراع.
عاشت السيدة عائشة سنواتها بعد ذلك داخل الحجرة، دون ساتر يفصلها عن قبر النبي وأبيها، وكانت تقول: "إنما هما زوجي وأبي"، لكنها بعدما دُفن عمر بن الخطاب استحدثت حاجزًا بينها وبين القبور الثلاثة، توقيرًا وهيبةً للمكان.
كم باب للحجرة النبوية الشريفة؟
تتوزع على الحجرة الشريفة ستة أبواب تمتد من جهاتها المختلفة، لكل منها اسم ارتبط بتاريخ المكان ووظيفته. ففي الجهة الجنوبية يقع "باب التوبة"، تعلوه صفيحة فضية نُقش عليها تاريخ صناعته عام 1026هـ، بينما يُعرف الباب الشمالي باسم "باب التهجد"، أما الباب الشرقي فيُسمى "باب فاطمة"، في حين يحمل الباب الغربي اسم "باب النبي"، ويشتهر كذلك بـ"باب الوفود"، وداخل المقصورة يوجد بابان آخران، أحدهما إلى يمين المثلث والآخر إلى يساره.
إصلاحات الحجرة النبوية الشريفة
على امتداد قرون، خضعت الحجرة النبوية الشريفة لعدد من أعمال الترميم والإصلاح حفاظًا على مكانتها وهيئتها التاريخية. وكانت أولى تلك الإصلاحات في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، خلال زيارته للمسجد النبوي عام 17هـ، حين استبدل الجريد الذي كانت تقوم عليه الحجرة بجدار أكثر متانة.
وفي أواخر القرن الأول الهجري، أعاد الخليفة عمر بن عبدالعزيز بناء الحجرة بين عامي 88هـ و91هـ، مستخدمًا أحجارًا سوداء، مع الحفاظ على المساحة نفسها التي شُيّد عليها بيت الرسول، صلى الله عليه وسلم، كما أقام حولها جدارًا ذا خمسة أضلاع ينتهي بشكل مثلث من الخلف، في تصميم قصد به ألا تتشابه الحجرة في شكلها مع الكعبة المشرفة.
متى نُهبت الحجرة النبوية الشريفة؟
في عام 1335هـ/1917م، تعرضت الحجرة النبوية الشريفة لعملية نهب طالت مقتنياتها التاريخية، نفذها فخري باشا، الحاكم العسكري العثماني للمدينة المنورة خلال فترة الاحتلال.
ونُقلت تلك المقتنيات عبر سكة حديد الحجاز إلى إسطنبول، حيث أُودعت في عدد من المتاحف التي لا تزال تحتفظ بها حتى اليوم، رغم ارتباطها بالمسجد النبوي واعتبارها جزءًا من تراثه الإسلامي والتاريخي.













