تمكن باحثون في مركز سيدني كيميل الشامل للسرطان، التابع لجامعة جونز هوبكنز، من تطوير فحص دم جديد يعتمد على نماذج التعلم الآلي لتحليل المادة الوراثية العائمة في الدم.
ويهدف هذا الفحص المبتكر إلى اكتشاف تندب الكبد المبكر، أو ما يعرف بالتليف، قبل أن يتطور إلى تليف كبدي حاد وسرطان.
ويمثل هذا التطور الطبي خطوة حاسمة في مجال الرعاية الصحية لمنع ظهور سرطان الكبد قبل حدوثه من خلال رصد العلامات الأولية للمرض في عينات الدم.
نتائج واعدة عبر تجارب علمية دقيقة
واستخدم فريق البحث، المنشور في مجلة «ساينس ترانسليشنال ميديسين»، الفحص لتحليل عشرات الملايين من أجزاء الحمض النووي الخالي من الخلايا، في عينات دم أخذت من 423 شخصا تتنوع حالتهم بين مصابين بأمراض الكبد وأصحاء، حيث نجح الباحثون في اكتشاف علامات دقيقة تميز مرضى التندب المبكر عن غيرهم من الأشخاص، الذين لا يعانون من أي درجة من درجات مرض الكبد.
قيم الباحثون فعالية الفحص لاحقًا على مجموعة أخرى ضمت 221 مشاركا، شملت 30 مريضًا يعانون من مرض كبدي مبكر، و85 مريضًا في مرحلة متقدمة إلى جانب 106 أشخاص أصحاء، حيث أظهرت النتائج قدرة الفحص على رصد 50 % من حالات المرض المبكرة وحوالي 78 % من الحالات المتقدمة، بينما تعرف الفحص على الأشخاص الأصحاء الخالين من الأمراض بدقة وصلت إلى 83 % مما يعني تسجيل إشارات خاطئة بوجود مرض الكبد في 17 حالة من أصل 100.
آلية عمل الفحص المبتكر
يعتمد الفحص الجديد على تحليل الحمض النووي العائم الحر، الذي يضم أجزاء صغيرة من المادة الوراثية تنطلق في الدم عند تجدد الخلايا وموتها.
وركز الفريق على استخدام نموذج حاسوبي يبحث عن أنماط واسعة النطاق في جميع أنحاء الجينوم بأكمله، عوضًا عن البحث عن طفرات محددة أو تغييرات في أحرف الحمض النووي.
وحدد الباحثون عوامل عدة مرتبطة بأمراض الكبد المبكرة شملت طول شظايا الحمض النووي ومعدل تساقط التسلسلات المتكررة منه، كذلك رصد الفريق تغيرات جينية رئيسية أو علامات فوق جينية على الجينوم تغير نشاط الجينات دون تعديل الشفرة الأساسية للحمض النووي.
وبنى الباحثون اختبارهم معتمدين على هذه العوامل مجتمعة للبحث عن هذه الأنماط داخل الدم.
ويعاني ملايين الأمريكيين من تليف الكبد دون علمهم بوجوده، فيما تشمل عوامل الخطر المؤدية إلى هذا التندب التهاب الكبد والسكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة، بينما تفشل التقييمات السريرية التقليدية مثل اختبار الدم (FIB-4) في اكتشاف مرض الكبد في مراحله الأولى، حيث يعتمد الاختبار القديم على العمر وإنزيمات الكبد وتعداد الصفائح الدموية لتقدير مستويات التندب، وهو ما أثبت قصوره مقارنة بالفحص الجديد.
ويوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، والمدير المشارك لبرنامج علم الوراثة وعلم التخلق السرطاني في مركز جونز هوبكنز كيميل للسرطان، الدكتور فيكتور فيلكوليسكو، أهمية هذا التدخل، قائلًا «أفضل طريقة للتدخل في سرطان الكبد ليست اكتشافه مبكرا وإنما اكتشاف أمراض الكبد المبكرة»، مضيفًا أن التليف يمكن عكسه عند اكتشافه عبر أدوية مضادة للتليف وتغييرات في نمط الحياة وعلاجات أخرى بينما يعد التليف الكبدي المتقدم تشمعا غير قابل للعكس إلى حد كبير.
وتقول المؤلفة الأولى للدراسة، وطالبة الطب والدكتوراه في مختبر فيلكوليسكو، أكشايا أنابراجادا، إننا «نحاول التقاط التغييرات التي قد تحدث في المرض والتي يمكن أن تظهر عبر الجينوم بأكمله مما يمنح فرصا أكبر للعثور على شيء ما».
وتشير أنابراجادا إلى تفوق الفحص على اختبارات الدم السابقة التي بحثت عن طفرات محددة وتطلبت تسلسل الجينوم آلاف المرات، موضحة أن الاختبار الجديد يقرأ الجينوم مرة أو مرتين فقط مما يجعله أرخص وأكثر كفاءة.
وعلق الأستاذ ومدير الأبحاث في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية، آلان تيري، على الدراسة وهو باحث غير مشارك فيها، قائلًا إن استخدام التعلم الآلي لاكتشاف الأنماط عبر الجينوم بأكمله يمكن الفريق من تحليل مليارات الشظايا في وقت واحد
ويؤكد فيلكوليسكو أن الخطوات التالية تتطلب إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقا للتحقق من صحة نماذج التعلم الآلي وقدرتها الدقيقة على رصد تليف الكبد، حيث يأمل الباحثون أن تمهد هذه الفحوصات الطريق لابتكار طرق غير جراحية للكشف عن أمراض متعددة من خلال فحص دم واحد مما يتيح التشخيص والعلاج المبكر للأمراض قبل أن تصبح مزمنة.














