حذر مختصون في التغذية والصحة العامة من أن موجة الاهتمام المتزايد بصحة الأمعاء، التي اجتاحت المنصات الرقمية مؤخرًا، قد تحمل في طياتها جوانب سلبية رغم ما تبدو عليه من فوائد. فقد انتقلت بوصلة الاهتمام من التركيز المفرط على البروتين إلى الترويج المكثف للألياف، ضمن نمط شائع على وسائل التواصل الاجتماعي يقوم على تضخيم استهلاك عنصر غذائي بعينه باعتباره المفتاح الأساسي للنشاط وتحسين وظائف الجهاز الهضمي بشكل جذري.
وتؤثر هذه التوجهات الغذائية المنتشرة، والتي تقوم على مبدأ “كلما زاد كان أفضل”، في سلوك المستهلكين وخياراتهم اليومية، كما تنعكس بشكل مباشر على استراتيجيات الشركات الغذائية ومنتجاتها. غير أن التساؤلات تتزايد حول مدى سلامة هذا النهج وتأثيراته الحقيقية على الصحة.
الشركات تسوّق للتحول الغذائي
يقوم الاتجاه الخاص بالبروتين على الترويج لفكرة زيادة استهلاك المغذيات الكبرى الموجودة في مصادر مثل اللحوم ومنتجات الألبان والمكسرات، باعتبارها ضرورية لعدد من الوظائف الحيوية، من بينها بناء الأنسجة وتعزيز جهاز المناعة. وفي المقابل، يتجه الاهتمام في الوقت الراهن نحو الألياف الغذائية، التي يتوقع أن تهيمن على النقاشات الصحية عبر الإنترنت خلال عام 2026، حيث يروج مؤيدو هذا التوجه لفوائدها في تقليل الشعور بالجوع وتحسين انتظام الجهاز الهضمي، وغالبًا ما يعرضون أطعمة مثل بذور الشيا والشوفان كنماذج مثالية.
وقد التقطت الشركات هذا التحول سريعًا، فباتت العديد من المنتجات تُطرح بإصدارات مدعمة بالبروتين، حتى تلك التي تُعرف بارتفاع محتواها من السكر. كما بدأت شركات كبرى مثل بيبسيكو ونستله، إلى جانب علامات أحدث مثل أوليبوب، في إبراز محتوى الألياف في منتجاتها، بما في ذلك المشروبات الغازية والوجبات الخفيفة التي تحتوي على مكونات داعمة لصحة الأمعاء.
وفي هذا السياق، أشار الرئيس التنفيذي لشركة بيبسيكو، رامون لاغوارتا، خلال مكالمة أرباح سابقة، إلى توقعاته بأن تحظى الألياف بمكانة مماثلة للبروتين في السوق الاستهلاكية. كما أظهرت نتائج استطلاع أجرته شركة باين آند كومباني أن نحو نصف المستهلكين في الولايات المتحدة يسعون إلى زيادة استهلاكهم من البروتين، مع قيادة جيل Z وجيل الألفية لهذا الاتجاه في عدة مناطق حول العالم، بما في ذلك أوروبا وآسيا. وينطبق الأمر ذاته على الألياف، إذ أفادت بيانات شركة GlobalData بأن نسبًا كبيرة من هذين الجيلين تسعى لتحسين صحة الأمعاء عبر تعديل النظام الغذائي.
الألياف.. فوائد ولكن بضوابط
رغم الإيجابيات المرتبطة بزيادة تناول الألياف، يشدد خبراء على أن المبالغة في استهلاك أي عنصر غذائي قد تكون غير مفيدة. وأوضحت أندريا جلين، الأستاذة المساعدة في التغذية بجامعة نيويورك، أن الاهتمام بالألياف يُعد من الاتجاهات الصحية المقبولة نسبيًا مقارنة بغيرها، فيما أشارت أخصائية التغذية سامانثا سناشال إلى أن الألياف لم تحظَ سابقًا بالتقدير الكافي، على عكس البروتين الذي تصدر المشهد في السنوات الأخيرة.
لكن خبراء، من بينهم آرتش ماينوس، أستاذ الصحة المجتمعية وطب الأسرة بجامعة فلوريدا، يؤكدون أن زيادة الاستهلاك بشكل مفرط لا تعني بالضرورة تحقيق نتائج أفضل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالبروتين. ويحذر ماينوس من الاعتماد المفرط على نصائح المؤثرين التي تُعرض غالبًا كحلول عامة تناسب الجميع، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تعكس تراجع الثقة في المتخصصين واللجوء إلى ما يُعرف بـ”البحث الذاتي”، رغم أن كثيرًا من صناع المحتوى ليسوا مؤهلين علميًا وقد تكون لديهم مصالح تجارية.
وفي ظل غياب ما يُعرف بـ”الحل السحري”، ينصح الخبراء بالرجوع إلى الأطباء أو المختصين قبل إجراء تغييرات كبيرة في النظام الغذائي. ووفقًا لتوصيات جمعية القلب الأمريكية، فإن نظامًا غذائيًا متوازنًا يشمل الحليب والزبادي والبقوليات ومصدرًا معتدلًا من البروتين الحيواني يمكن أن يلبي الاحتياجات اليومية لمعظم الأفراد.
كما يُنصح بتناول ما بين 25 و38 غرامًا من الألياف يوميًا، بحسب العمر والجنس، مع التركيز على مصادر طبيعية مثل الفواكه والخضروات والبقوليات والحبوب الكاملة، التي ترتبط بانخفاض مخاطر الإصابة ببعض الأمراض المزمنة وتساعد في ضبط مستويات السكر والكوليسترول في الدم.
ويؤكد المختصون أن إدخال الألياف إلى النظام الغذائي يجب أن يتم تدريجيًا، لتجنب اضطرابات الجهاز الهضمي، مع أهمية الاعتماد على الأطعمة الكاملة بدلًا من المكملات. وفي المجمل، يشدد الخبراء على ضرورة الابتعاد عن فكرة الحلول السريعة، مؤكدين أن أي عنصر غذائي بمفرده لن يكون كفيلًا بإحداث تحول جذري في الصحة.
اقرأ أيضًا:
ما هو أفضل وقت في اليوم لتناول الألياف؟
تقليل الكربوهيدرات ليس دائمًا أفضل لصحة قلبك.. لماذا؟
هل البيض مصدر للكوليسترول؟.. أطباء يكشفون جديد














